صحفيو “خطوط النار” في العراق يواجهون إصابات وعقوداً هشة وتعويضات معلقة لسنوات

تحقيق يكشف مصير صحفيين عراقيين أصيبوا خلال معارك تنظيم “داعش”، خسروا حقهم بالتعويض والعلاج بسبب فجوات في عقود العمل والتأمين والتعويض والرقابة، على الرغم من أن المصابين وعائلات القتلى ظلوا يلاحقون حقوقهم بعد سنوات من انتهاء القتال.
في عام 2017، وثقت كاميرا قناة “صلاح الدين” اللحظات الأخيرة من حياة مراسلها “حرب هزاع”، بعدما حوصر مع فريق إعلامي أثناء تغطية معارك قرية إمام غربي، جنوب الموصل، بين تنظيم داعش والقوات الأمنية العراقية. ظهر حرب في التسجيل وهو ينطق “الشهادتين” قبل أن يفارق الحياة، إلى جانب زميله سؤدد فارس، فيما أصيب آخرون من الفريق.
وفي فيلم وثائقي بثته القناة لاحقاً، أكدت أن حرب كان يؤدي مهمة كُلف بها لتغطية المعارك.
بعد تسع سنوات، تقول عائلته إنها لم تحصل لا على تعويض من القناة، ولا من التعويضات الحكومية التي طالبت بها بعد مقتله.
وتوضح زوجته أن الدولة صرفت له راتباً تقاعدياً بصفته موظفاً مدنياً إلى جانب عمله الصحفي، لكنها لم تصنّفه ضمن ضحايا الإرهاب، رغم الوثائق والشهادات التي قدمتها الأسرة. وكان سيتيح هذا التصنيف الحصول على تعويضات للأسرة، مرتبطة بمقتله خلال أداء مهمته.
وفي الفريق نفسه، كان مراسل قناة “سامراء” الفضائية مصطفى الوحادي؛ الذي أصيب بشظايا في ساقه وأجزاء من جسده. وتوثق تقاريره الطبية أن نسبة العجز لديه بلغت 50 في المئة.
ويفيد بأن القناة لم تقدم له أي مساعدة خلال الأشهر الأولى من الإصابة، ولم تتحمل تكاليف علاجه، ثم أوقفت راتبه بحجة أنه يعمل “مراسلاً بالقطعة”، ولم يعد قادراً على العمل. وبعد تعافٍ جزئي عاد إلى القناة، قبل أن تنهي خدماته بعد أشهر بدعوى التقشف. وأُغلقت القناة لاحقاً وسُرّح العاملون بها.
وبعد تسع سنوات على إصابته، ما زال مصطفى يراجع الجهات الحكومية بحثاً عن تعويض لم يحصل عليه، وسط إجراءات يصفها بالطويلة والمعقدة.
حرب ومصطفى جزء من ملف أوسع تشكّل خلال سنوات الحرب على تنظيم “داعش”.
فبين عامي 2014 و2017، ومع تصاعد العمليات العسكرية لاستعادة المدن العراقية؛ عمل عشرات الصحفيين والمصورين في مناطق القتال وخطوط المواجهة. وتُظهر الحالات، التي تتبعها التحقيق، أن عدداً منهم عمل في بيئة شديدة الخطورة من دون عقود عمل موثقة، أو ضمانات واضحة للعلاج والتأمين والتعويض عند الإصابة.
ووفق تقرير أعدته “جمعية الدفاع عن حرية الصحافة” لتوثيق الخسائر خلال معارك استعادة المدن من تنظيم “داعش”، قُتل 40 صحفياً وأصيب 76 آخرون، بينهم 30 تعرضوا لإصابات بالغة الخطورة.
تكشف الوقائع عن خلل لا يتوقف عند علاقة العمل، بل يمتد إلى ما بعد وقوع الإصابة؛ إذ عمل صحفيون من دون عقود موثقة، فيما خلت بعض الوثائق التعاقدية من ضمانات واضحة لإصابات العمل والتأمين. كما توقف العلاج قبل اكتماله، واصطدمت حقوق يكفلها القانون بمسارات طويلة من المراجعات، في وقت أوقفت فيه وزارة العمل لجان التفتيش المعنية بمراقبة تطبيق قوانين العمل والضمان الاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، حصلت نقابة الصحفيين العراقيين على تخصيص حكومي بمليارات الدنانير للعلاج والتكافل، في حين قال مصابون وعائلات صحفيين، قتلوا أو توفوا متأثرين بإصاباتهم، إنهم لم يعرفوا بوجود هذا التخصيص، ولم تتواصل النقابة معهم للاستفادة منه.
في عام 2015، وخلال ذروة معارك استعادة منطقة “البوعجيل” في محافظة صلاح الدين، عبرت مركبة تقل فريقاً صحفياً تابعاً لقناة “بلادي” الفضائية خطوط التماس بالخطأ، لتجد نفسها في مرمى نيران تنظيم “داعش”. كان المصور عمار جعفر داخل المركبة. ويصف ما جرى بأن الفريق وجد نفسه في “أرض العدو، وليس لدينا من سلاح سوى معداتنا الصحفية”.
أصيب المراسل أولاً، ثم اخترقت رصاصة يد عمار، محدثة شللاً جزئياً أفقده القدرة على حمل الكاميرا، كما كان يفعل سابقاً. كما تعرض لاحقاً لإصابة أخرى في الرأس أثناء تغطية معارك الموصل.
تكفلت إدارة قناة “بلادي”، التي كانت مملوكة حينها لرئيس الوزراء العراقي السابق إبراهيم الجعفري، بإجراء عملية جراحية واحدة لعمار في إيران. لكنّه يفيد بأن مراحل العلاج الترميمي لم تستكمل، وطُلب منه العودة إلى العمل.
وفي عام 2021، أغلقت القناة أبوابها نهائياً، ليجد عمار نفسه خارج العمل من دون تعويض مالي أو مستحقات نهاية الخدمة، أو حتى تأمين صحي يغطي آثار إصابته. اضطر إلى العمل لاحقاً حارساً أمنياً بعقد مؤقت، وبراتب لا يتجاوز 200 دولار شهرياً، بحسب إفادته.
واكب المراسل الحربي “علي جواد” العمليات العسكرية ضد تنظيم “داعش” منذ عام 2013، وتعرض لإصابتين، كانت أخطرهما عام 2016، إثر استهداف فريقه بصاروخ حراري. قُتل المصور الذي كان يرافقه، وأصيب علي بشظايا وتمزق في “طبلة” الأذن.
ووفق إفادته، تلقى العلاج مرتين داخل مستشفى الكفيل بكربلاء، وليس عبر المؤسسة الإعلامية التي كان يعمل معها. ويستدل علي على طبيعة تعامل بعض المؤسسات مع الصحفيين الميدانيين بواقعة عاشها مع مراسل أصيب بانفجار عبوة ناسفة في تكريت.
كان الصحفي ينزف مُمدداً على سرير الإسعاف، عندما اتصل مسؤول في القناة للسؤال عن مصير الكاميرا، وما إذا كانت قد تضررت، من دون أن يكون السؤال الأول عن حالة الصحفي المصاب.
ويرى علي أن تجربة زملائه تكشف جانباً من واقع تحمّل فيه صحفيون مصابون تكاليف علاجهم بأنفسهم، في حين اقتصرت بعض أشكال التكريم الرسمي والنقابي على دروع أو مبالغ محدودة لا تتناسب، في تقديره، مع الإصابات وآثارها الطويلة.
لا تظهر آثار الخلل الذي يتتبعه التحقيق في النصوص والعقود وحدها. وثّق معد التحقيق حالات سبعة صحفيين آخرين أصيبوا خلال تغطية المعارك، ثم اختلفت مساراتهم ما بين توقف العلاج، والعجز الدائم، والفصل من العمل، وسنوات من المراجعات بحثاً عن التعويض. اضغط/ي على صورة كل صحفي لقراءة قصته والاطلاع على الوثائق المرتبطة بها.
تبدأ إحدى المشكلات التي يكشفها التحقيق قبل الوصول إلى ساحات القتال. فالمادة 13 من قانون حقوق الصحفيين العراقيين ، تُلزم الجهات الإعلامية بإبرام عقود عمل مع الصحفيين، وفق نموذج تعده نقابة الصحفيين، مع إلزام المؤسسات الإعلامية بإيداع نسخة من العقد لدى النقابة.
لكن إبراهيم السراج، رئيس “الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين”، يصف النص بأنه “لا يزال حبراً على ورق”، ويقدر أن نحو 80 في المئة من العاملين في الوسط الصحفي يعملون من دون عقود رسمية. وتبقى هذه النسبة تقديراً صادراً عن الجمعية، وليست إحصاء حكومياً شاملاً.
وتتقاطع إفادات الصحفيين المصابين، ممن شملهم التحقيق، مع جانب من هذا الواقع؛ إذ عملت أغلبية الحالات الموثقة من دون عقود تغطي فترة الإصابة. لكن وجود عقد لا يعني بالضرورة توافر الحماية الكافية.
راجع معد التحقيق أربعة نماذج من وثائق وعقود العمل الإعلامي، وعرضها على مختصين قانونيين لفحص الضمانات التي توفرها للصحفي، ولا سيّما المتعلقة بإصابات العمل والتأمين والحقوق المالية وتسوية النزاعات.
ووجد المحامي محمد الربيعي، رئيس “مؤسسة النهرين للشفافية”، في النماذج التي راجعها، ثغرات بدرجات متفاوتة، من بينها عدم إيداعها أو تصديقها لدى نقابة الصحفيين وفق النموذج المعتمد، ووجود بند للسرية في بعض الوثائق، وغياب آليات واضحة في عدد منها لمعالجة النزاعات أو التعويض عن إصابات العمل والتأمين الصحي والاجتماعي.
كما رأى الربيعي أن بعض النماذج لا توفر بصورة واضحة كامل الاستحقاقات التي ينظمها قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015، ومنها مكافأة نهاية الخدمة.
راجع المحامي المختص بالقضايا الصحفية، كروان مجيد، النماذج نفسها من زاوية مختلفة: ماذا تكفل الوثيقة للمؤسسة، وماذا تضمن للصحفي عندما يتعلق الأمر بالأجر أو الإصابة أو إنهاء العلاقة أو النزاع؟
ويعرض التحقيق أبرز ما خلصت إليه قراءته لكل نموذج.



