النخيل نيوز
Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
آراءنيوز بار

‏عن أجواء الحرب بيننا

احمد الشيخ ماجد

‏في المقاطع القصيرة أو الأغاني العراقية التي أسمعها مصادفةً، هناك حروب تدور رحاها يومياً. لم أكن أعرف هذا النوع من الأغاني إلا من حرب الثمانينيات، ولا أظن أنها كانت بهذه القسوة إلا بعد العام 2017. قال أحدهم: “أطحن روسهم وأمشي إعله كيفي”، وقال آخر: “وبكل يوم أدك خشوم ماخذ ع العرك شمره”، والأخير لا يعجبه غير عطر البارود كما يقول.

‏انتشر هذا السم في الفضاء العراقي، حتى صرت تشاهد أطفالاً يغنون في أوبريت عنوانه “إحنه العيّالة”. وربما يقول المرء إن هذا الأمر طبيعي باعتبار أن الشباب كانوا يقاتلون “داعش”، لكن الأغاني المرصودة تصاعدت بعد أن صرنا لا نقاتل، ولا يوجد أي عدو أو متربص حتى نقوم بهزيمته. نحن نهزم أنفسنا فقط بسلسلة استعراضات لا تنتهي وحسب.

‏إن بلاداً تخوض حروباً متتالية، تتشكل لديها ذاكرة جمعية لا تعرف كيف تعيش في “أوقات السلم”، فتخلق حرباً كلامية وموسيقية كي لا تواجه الفراغ، خاصة حين تفشل المؤسسة في الاستفادة من الهزّات عبر تقديم مشروع دولة حقيقي، وإنما تكمل الحرب بصناعة 70 فصيلاً وعشرات الآلاف من الذين يضعون أيديهم على “المسدسات” والمسيّرات بانتظار أي تهديد يضع الطائفة في حرج.

‏عملياً، يشير هذا الأمر إلى أن هناك قتالاً وهمياً وفضائياً نقدم عليه في الأغاني، سواء تلك التي تصدرها إحدى الهيئات المسلّحة أو النوادي الليلية. هناك أيضاً مقاومة وهمية، ونمتلك عشائر قادرة على سحق رؤوس أي كائن حي أو غير حي، ولدينا طائفة تتعرّض لمخاطر وهمية، فندافع عنها في الشوارع عبر شتم أناس ماتوا قبل أكثر من ألف عام!

‏لكن هذا القتال الوهمي يمتد في فضاء النقاش ومواقع التواصل إلى الصراعات التي تشبه “المعركة بين أقرعين من أجل مشط”، بتعبير بورخيس. هناك بنادق كلامية من الممكن أن نقرعها على باب أي نقاش أو خصومة، وصار من النادر مراقبة أي تعليقات دون أن تجد في كل سطر دليلاً على العنف البشري الأكثر رعباً.

‏ما الذي جرى بعد العام 2017؟ ولماذا تتقلص كل الردود لدى الناس، فيخرجون من قواميسهم أفظع الشتائم وأشد التهديدات عند أدنى خصومة أو أكبرها؟ وفي الواقع، كل الحلول تغيب حين تحضر فكرة كسر رأس الآخر وإنهاء وجوده إلى الأبد، لأنه صار “مزعجاً” لا يؤدبه أي شيء، سوى أيدينا.

‏دائماً أرجع الأمر إلى عقود من العُصاب الجماعي بفعل السياسة، وحالات العُصاب غالباً ما تنتقل من جيل إلى آخر ـ بحسب كارل يونغ ـ خاصة إذا لم يكن هناك نموذج بديل لهذه الأمراض، والنموذج، في مجتمعاتنا، لا يحضر دون الدولة أو هو الدولة نفسها. لا أريد أن أفتي علمياً، لكني أكتب آراء في مقهى اجتماعي، وأفكر كثيراً بأجيال عراقية منذ عشرات السنين وإلى الآن وهي تتبادل ذات العُصاب. أوهام القوة، والاستعراض الرجولي المقزز، ومحاولة اختزال الإنسان بثنائية أنه “خوش زلمة” أو “مو خوش زلمة”، والأخيرة تشعرني بقرف عجيب من الثقافة السياسية التي عززت روح الشيخ المنفعل والغاضب دائماً لأدنى سبب.

‏وهذا العُصاب قد يتمظهر في صدام حسين وهو يدخن السيجار في القمة العربية، أو متحدث حكومي يقول “إحنه سباع” أو “إحنه جذع نخلة”، أو مدوّن يريد أن يقطع الشارع على مدوّن آخر، أو فصيل يريد أن يجعل “الدبجة الثامنة” على صدر الحكومة. لا مقارنة هنا بالطبع بين زمنين، ولكن التخبط وعدم فهم الأدوار والعيش بدائرة أوهام قاتلة وكره السياسة يتمثل بأشكال تعبيرية مختلفة في بلاد تصاغ سلوكياتها بميدان مهاويل يتقافزون سريعاً ليتطاير التراب منه، فتنعدم الرؤية، في أجواء يتم تلقين كل جيل فيها بأن القوة والهيبة هما المعنيان الوحيدان، وهنا لا يتطلب سوء الخلق وإيذاء الآخر ومحاولة “كسر رأسه” أي تبريرات كالتي تستلزمها القضايا غير الأخلاقية، وهذا ما جعل الواقع محاصراً بجيوش لا تفكر، وتكره من يفكر، وتريد أن تجعل القوة هي الأخلاق الوحيدة، قوة الدفاع عن الطائفة والعشيرة و”الآداب العامة” و”المقاومة” وحتى فلسطين التي نريد تحريرها عبر هدم المعبد على رؤوس بعضنا البعض!

‏أقول إن جيلاً يصنعه هذا العُصاب المستمر بوجود ظروف غير طبيعية من حروب مستمرة وانعدام الاستقرار، هو جيل غير مهذب، ثلة من جماعات تبرع في الشتائم وتتبادل الرقص في حفلات “الخوش زلم”، وهي حفلات قد تقتل فيها لأجل “هايشة”، أو ترتقي منصة فيها وأنت غاضب، أو تكون فصيلاً يواجه نبذاً، لتقول عن نفسك إنك “لا تكسر” حين يتركك قادة وزعماء ورفاق الأمس. إن الحروب لا تنتهي، بل تتجدد مع كل جيل، حيث تظل روح الصراع قائمة، وإن تغيرت أشكال العنف، لكن هذا الأمر سيتعاظم في انعدام الدولة، ونحن نعيش في عهد الإفراط بأمراض غياب الدولة، حيث تتراكم تجارب الفشل والعُصاب الجماعي، لتخلق هذا المهرجان من العنف المتبادل بيننا، في السياسة والإعلام والواقع.

‏لدى كل جيل اعتقاد راسخ وبسيط: إنهم يعيشون عصر انحطاط أخلاقي غير مسبوق. وهذا فيه نقاش طويل طبعاً، لكن اعتقادي أن جيلنا يعيش عصر استعراض غير أخلاقي بالقوة. إننا نريد أن ننتصر، لكن لا أحد يسألنا: ننتصر على من؟ لأن مسيرة الاستعراض مستمرة لتغييب التفكير والأسئلة.

‏الفيلسوف الإسباني “سانتياغو آلبا ريكو”، اعتبر أن “الفهم” و”الطف”، ممارستان توأمتان، وتكادان تكونان متطابقتين، كما ذهب أبعد من ذلك حين عدهما فعلين مشحونين اليوم بقيم “تكاد تكون ثورية”، إذ لا شيء يشبه إعلان الهزيمة كالاستغناء عن التفكير وعن اللطف!

‏تخلق السذاجة هذا العالم كل صباح وسط أكثر التعقيدات عصياناً على التفكيك. ذلك أنه ونحن عالقون في أدغال عدوانية، ليس بإمكاننا تغيير شرها المتطرف، فالساذج وغير الفاهم يمكن أن يكون أشد الناس عداوةً في لحظة واحدة. نتذكر أن الفيلسوفة الألمانية حنّة آرنت قد انشغلت بابتذال الشر، بخصوص أدولف إيخمان، الموظف النازي المُكلّف بنقل اليهود إلى المعسكرات: رجل مخلص وكفؤ ونزيه ومطيع، صار شريكاً في إبادة جماعية دون أن يعلم، عن طريق ممارسة خصال وظيفية عادية. لماذا؟ لأنه لا يفكر، أي لا يفهم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *