
عماد آل جلال
ثمة مشكلة حقيقية تتسلل إلى جسد الإعلام العربي بصمت، حتى باتت من فرط شيوعها تبدو وكأنها أمر طبيعي لا يستحق النقاش. إنها فوضى المسميات.
ففي زمن الشاشات المفتوحة والمنصات الرقمية المتكاثرة، أصبح الجميع صحفيين. المحلل السياسي صحفي، ومقدم البرامج صحفي، وصانع المحتوى صحفي، والناشط السياسي صحفي، بل إن بعضهم لم يكتب خبراً واحداً في حياته، ولم يحرر تقريراً، ولم ينجز تحقيقاً صحفياً، ومع ذلك يُقدم للجمهور بوصفه صحفياً مرموقاً.
هنا تبدأ المشكلة.
فالصحافة ليست صفة اجتماعية، وليست لقباً بروتوكولياً يمنح لمن يحضر المؤتمرات والندوات واللقاءات الرسمية. الصحافة مهنة. والمهنة، أي مهنة، تُعرف بما ينتجه صاحبها لا بما يدعيه عن نفسه.
لا أحد يصف أستاذ العلوم السياسية بأنه جراح قلب لمجرد أنه يتحدث عن الصحة العامة، ولا أحد يصف مذيعاً رياضياً بأنه لاعب كرة قدم لأنه يجلس في الاستوديو لتحليل المباريات. فلماذا يصبح كل من يتحدث في السياسة صحفياً؟
إن المحلل السياسي يؤدي وظيفة مختلفة تماماً عن وظيفة الصحفي. الأول يفسر الوقائع، أما الثاني فيبحث عنها. الأول يقرأ الحدث، أما الثاني فينتجه مهنياً عبر جمع المعلومات والتحقق منها وصياغتها ونشرها. الأول قد يكون أكاديمياً مرموقاً، والثاني قد يكون صحفياً عظيماً، لكن الخلط بين الوظيفتين لا يخدم أياً منهما.
والأمر ذاته ينطبق على مقدمي البرامج.
فإدارة الحوار التلفزيوني موهبة ومهارة وفن قائم بذاته. غير أن القدرة على طرح الأسئلة ليست هي الصحافة، تماماً كما أن امتلاك صوت جميل لا يجعل صاحبه شاعراً.
لقد أنتجت الفضائيات العربية خلال العقود الأخيرة عشرات الوجوه اللامعة التي تجيد الحديث أكثر مما تجيد الكتابة، وتجيد الأداء أكثر مما تجيد التحرير، وتجيد صناعة الانطباع أكثر مما تجيد صناعة المعلومة. وهذه ليست إدانة لأحد، لأن لكل مهنة أدواتها الخاصة، لكنها تصبح مشكلة عندما تقدم هذه الأدوار المختلفة تحت عنوان واحد هو “الصحافة”.
فقد تراجع الصحفي المهني إلى الصفوف الخلفية، بينما تقدم المشهد من يمتلك حضوراً بصرياً أقوى أو صوتاً أعلى أو عدداً أكبر من المتابعين. وأصبح الخبرة في التحرير أقل أهمية من الخبرة في الظهور، وأصبح التأثير الرقمي بديلاً عن الكفاءة المهنية.
ولعل الجدل الذي أثارته بعض اللقاءات الرسمية الأخيرة لم يكن في جوهره خلافاً على أسماء المدعوين بقدر ما كان احتجاجاً على هذا الخلل العميق في تعريف المهنة نفسها.
فالوسط الصحفي لم يتساءل فقط: من حضر؟
بل تساءل أيضاً: من يمثل الصحافة؟
وهذا سؤال مختلف تماماً.
إن رؤساء التحرير الذين أفنوا أعمارهم بين غرف الأخبار، وكتاب الأعمدة الذين صنعوا الرأي العام عبر عقود، والمراسلين الذين قضوا سنوات في ملاحقة الخبر، لا يمكن وضعهم في السلة نفسها مع شخص اكتسب شهرته من منصة رقمية أو برنامج تلفزيوني مهما بلغ تأثيره.
التأثير شيء، والصحافة شيء آخر.
وقد يكون المؤثر أكثر انتشاراً من الصحفي، وقد يكون المحلل أكثر شهرة من الكاتب، وقد يكون مقدم البرامج أكثر حضوراً من رئيس التحرير، لكن الانتشار والشهرة لا يعيدان تعريف المهن.
فالصحفي ليس من يظهر أكثر.
الصحفي هو من يمارس الصحافة.
هذه الحقيقة البسيطة هي ما نحاول الهروب منها منذ سنوات.
لقد حان الوقت لإعادة الاعتبار إلى المفاهيم المهنية قبل أن تصبح الصحافة مجرد كلمة فضفاضة بلا معنى. فالمهن لا تموت حين تتراجع مواردها أو تتغير تقنياتها، بل تموت حين تفقد تعريفها.
وأخطر ما تواجهه الصحافة اليوم ليس الرقمنة ولا الذكاء الاصطناعي ولا وسائل التواصل الاجتماعي.
أخطر ما تواجهه هو أن يصبح الجميع صحفيين.
عندها فقط لن يبقى صحفيون.



