
عبدالهادي مهودر
يمكن القول أن أقل اللصوص حظاً هم سراق باعة الصحف المتمسكين بهذه المهنة التي تصارع من أجل البقاء، فكيف إذا كان البائع شيخاً كبيراً أعياه التعب وغلبه النعاس وكيف إذا كانت الكاميرات شاهدة وتوثق حادثة السرقة،فتتعاطف الناس من أقصى البلاد الى آقصاها مع البائع الفقير ؟ انها حكاية العم شعبان بائع الصحف الذي ورث المهنة عن أجداده كأقدم بائع صحف في مدينة حلوان المصرية ، وهي من حكايات عالم السوشيل ميديا الذي جعل من العالم شاشة صغيرة ألغت المسافات وحطمت الحدود ، والفديو يوثق لحظة قيام شاب بسرقة 600 جنيه وهو مجموع ماحصل عليه العم شعبان في أول أيام عيد الأضحى ، وخارج هذا المشهد يقدم هذا البائع الخبير دروساً بليغة في لقاء صحفي أجري معه وهو يتحدث بلهجته المصرية عن تراجع المردود المالي لمهنته: (لو الصحفيين مخدوش بالهم من الجرايد هتنقرض والصحفيين مش هيلاقوا شغل..والعلاقة بين القارئ والجورنال زى واحد وصاحبه،لو حس إنه بيكذب عليه مش هيجيله تاني)،وهكذا تبدو هموم وهواجس أصحاب هذه المهنة غير مختلفة في مصر عنها في العراق ومثل هذا الكلام البليغ نسمعه أيضاً من باعة الصحف باللهجة العراقية حين نراهم يفترشون الأرصفة في ظل جدار والشمس قد لفحت وجوههم وأخذت من ورق الصحف بريقه وماء وجهه ، ولانريد أن ننكأ جرحاً في الحديث عن طرق توزيعها وواقعها وتحدياتها فالموضوع سيطول ويعرض، لكن الصحف الورقية تبقى وجهاً من وجوه الدولة مهما جافاها الزمن وسرقت منها وسائل الإعلام الالكترونية الأضواء والقراء ، لكن علامات انقراض مهنة باعة الصحف واختفاء أكشاك بيع الصحف مؤشرات لاتبشر بخير ، كما إن نصيحتنا للسراق بعدم الاقتراب من جيوب باعة الجرائد لاتبشر بخير أيضاً ، وهي دليل على أن جيب العم شعبان المصري مثل جيب العم فرحان العراقي ليس فيه مايستحق السرقة والفضيحة في مواقع التواصل الاجتماعي وليس فيه إلا أجرة العودة ومايسد الرمق من حاصل يوم شاق من بيع الصحف مع قناني الماء البارد ومقراضات الأظافر ..فتحية لباعة الصحف الورقية ، وكل عام وصحافتنا بخير.



