النخيل نيوز
Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
آراءنيوز بار

‏ليس دفاعاً عن عدنان الطائي، بل عن حرية الإعلام والرأي والنقد!

‏فلاح المشعل

‏استفاق العراق عام 2003 على نظامٍ سياسي جديد تبنّى مشروع الديمقراطية، وجاء الدستور الدائم ليؤكد أن العراق دولة مدنية ديمقراطية تُصان فيها الحقوق والحريات، بعد عقود طويلة من المنع والتقييد ومصادرة الرأي.
‏وفي إطار هذا التحول، تأسست الهيئات المستقلة، ومنها هيئة الإعلام والاتصالات وهيئة البث والإرسال، بوصفها مؤسسات يفترض أن تؤدي دوراً تنظيمياً يوازن بين حماية حرية التعبير وضمان الالتزام بالمعايير المهنية والقانونية، وأن تكون سداً يحمي الإعلاميين والعاملين في الحقل الإعلامي من تعسف السلطات الأخرى عند الضرورة.
‏غير أن الممارسة العملية تكشف، في كثير من الأحيان، عن انحراف هذه الهيئات عن فلسفة تأسيسها ووظيفتها الدستورية، فبدلاً من أن تضطلع هيئة الإعلام والاتصالات بتنظيم قطاع البث ومنح التراخيص ومراقبة الأداء الإعلامي بما ينسجم مع الدستور العراقي ومواثيق حقوق الإنسان، أصبحت في حالات متعددة تقف عائقاً أمام حرية التعبير والنقد وكشف الفساد، عبر إجراءات وقرارات تُفسَّر على أنها استجابة لضغوط السلطة السياسية والأحزاب النافذة، وهو ما يتعارض مع مبدأ استقلالية الهيئة وطبيعة دورها المؤسسي.
‏إن حرية الرأي والتعبير تمثل أحد أهم مكتسبات النظام الديمقراطي بالنسبة للأقلام الحرة والأصوات المستقلة، ولا سيما في ظل محدودية المنابر الإعلامية العراقية التي ما تزال غالبية توجهاتها خاضعة لاعتبارات طائفية أو حزبية أو لمصالح مالكيها.
‏ومن هذا المنطلق، فإن قرار منع برنامج “الحق يقال” الذي يقدمه الزميل عدنان الطائي، يثير تساؤلات جدية بشأن حدود سلطة الهيئة ومعاييرها في اتخاذ قرارات المنع والإيقاف. وقد سبقت هذا القرار إجراءات مماثلة طالت برامج أخرى، مثل “مع أحمد ملا طلال” و”الميدان” لمقداد الحميدان، فضلاً عن برامج عديدة تعرضت للعقوبات ذاتها.
‏إن برنامج “الحق يقال”، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع طروحاته، يقوم على تقديم الرأي والرأي الآخر، ويتبنى خطاباً نقدياً تجاه الفساد السياسي والمالي والإداري والإخفاقات التي أصابت مؤسسات الدولة، من دون استهداف شخصي مباشر، وحتى في حال وقوع تجاوزات فردية، فإن حق التقاضي مكفول دستورياً وقانونياً، الأمر الذي يطرح سؤالاً مشروعاً: كيف تتحول الجهة المنظمة للإعلام إلى سلطة مانعة لبرامج تتناول قضايا الفساد وتنتقد الأداء الحكومي؟
‏كما أن الإشكالية الأعمق تكمن في طبيعة المعايير التي تستند إليها الهيئة في قراراتها، إذ يجري في أحيان كثيرة توظيف مفاهيم فضفاضة مثل “الإساءة إلى الذوق العام” أو “الإضرار بالروح الوطنية”، وهي مفاهيم تخضع لتقديرات ذاتية ترتبط بقناعة المسؤول أو الرقيب، أكثر من ارتباطها بضوابط قانونية دقيقة أو معايير أخلاقية متفق عليها صادرة عن السلطة التشريعية أو القضاء المختص.
‏ومن خلال تتبع غالبية قرارات إيقاف البرامج، يمكن ملاحظة أنها ترتبط غالباً بعدم تقبل السلطات السياسية للنقد أو كشف مواطن الفشل والفساد، ما يجعل الهيئة تبدو وكأنها جهاز دفاعي عن السلطة السياسية، بدلاً من أن تكون مؤسسة ضامنة للتعددية الإعلامية وحامية للنظام الديمقراطي الذي أُنشئت في ظله، ولحق المواطن العراقي في الوصول إلى خطاب إعلامي ناقد يعبر عن معاناته وإحساسه بالإحباط واليأس.
‏إن نقد أداء الهيئة وتحولها التدريجي إلى أداة لتقييد الحريات الإعلامية، لا يرتبط بشخص رئيسها الحالي الأستاذ بليغ أبو كلل، بقدر ما يرتبط بإشكالات تراكمية في بنية عمل المؤسسة وآليات اشتغالها، ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الإدارة الحالية يتمثل في إعادة ترسيخ استقلالية الهيئة، وتحريرها من تأثير السلطة التنفيذية أو الأحزاب السياسية، بوصف ذلك شرطاً أساسياً لتحقيق المهنية والإخلاص الوظيفي والدستوري.
‏لقد كانت حرية الكلمة والرأي والنقد من أبرز المكاسب التي تحققت للعراقيين بعد عام 2003، والخروج من حقبة النظام الدكتاتوري الذي أدى غياب النقد فيه إلى تكريس الاستبداد وإنتاج الكوارث السياسية والاجتماعية، ومن ثم، فإن حماية هذه الحرية لا تمثل دفاعاً عن شخص أو برنامج بعينه، بل دفاعاً عن جوهر النظام الديمقراطي نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *