
سامر المشعل
في مشهد يكاد يتكرر يوميا، أتنقل بين الاذاعات المحلية للبحث عن سماع برنامج بمحتوى هادف أو أغنية تبعث الراحة والاسترخاء لأعصابنا المشدودة بفعل زحامات الطرق وصخبها، لا أجد إلا الأغاني الفاقدة للروح والخالية من مقومات الاغنية الحقيقية من كلام ولحن وأداء، التي تسهم في تدني الذوق وتعمل على تسفيه أجمل خطاب روحي ووجداني وهي الأغنية العاطفية، أنصت لبعض مقدمي ومقدمات البرامج لعلي أحظى بموضوع نقاش يتناول قضية اجتماعية أو اقتصادية أو ذوقية أو معرفية.. فلا أحصد إلا ثرثرة فارغة وكلاما سطحيا وقهقهات وأحاديث جانبية، وكأنك في مقهى أو كافيه.. أصوات اذاعية تفتقد الى مواصفات الصوت الاذاعي المتعارف عليه من دفء الصوت ورخامته وتأثيره على المستمعين.
فتمتلئ بالحسرة على ما آل اليه حال الإذاعات، التي كانت النافذة الاعلامية الاوسع والاكثر تأثيرا في رفد المجتمع بالثقافة والمعرفة وتنمية الذوق العام، وتأخذ على عاتقها مهام تربوية في الارتقاء بكل شرائح المجتمع ويصل صداها الى القرى والقصبات والمناطق النائية، بتنسيق ممنهج للبرامج والمواد الاذاعية التي تقدم في “الصباح” والظهيرة والمساء.. حتى حفظنا الأغاني الصباحية المبهجة، التي كانت تبثها اذاعة جمهورية العراق من بغداد مثل ” ياحلو صبح ياحلو طل” لمحمد قنديل، وأغنية “صباحك نور محبوبي صباحك” للمطربة عفيفة اسكندر، وأغنية “صباح الخير يالوله” للمطربة ملك محمد، واغنية ” بشرة سعادة وخير” للمطربة هناء مهدي.. وغيرها، إضافة الى أغاني أم كلثوم في الظهيرة.. وغيرها من البرامج والاغاني المحسوبة نفسيا وذوقيا بما يتناسب وحاجة المستمع العراقي في كل وقت.
ما زالت الذاكرة الجمعية تحتفظ بالعديد من البرامج المؤثرة مثل “الرفوف العالية”، “من الذاكرة”، التي يعدهما ويقدمهما الاعلامي سعاد الهرمزي، والبرنامج الاجتماعي “حذار من اليأس”، وبرنامج “قل ولا تقل” الذي يقدمه العلامة مصطفى جواد.. وغيرها.
ومن أسباب تراجع مستوى الخطاب الاذاعي في عدد من اذاعاتنا المحلية، ضعف التمويل، ما ادى الى اعتماد خبرات اعلامية تفتقد إلى الكفاءة المهنية والثقافة وضعف بمستوى الاعداد والتقديم، إضافة إلى الانجرار إلى تقليد السوشيال ميديا، وتأثيرات “الترند”، الامر الذي أدى الى طغيان السطحية والسذاجة بهدف جذب الجمهور والوصول إلى الشهرة السريعة والإثارة الاعلامية مع غياب للمسؤولية الاخلاقية والاجتماعية والمهنية، ما دعا هيئة الاعلام والاتصالات والرقابة إلى منع بث عدد ليس بالقليل من البرامج الاذاعية.
الحديث عن الإذاعة بين الأمس واليوم وتذبذب المحتوى بين الاذاعات لا يلغي وجود بعض الاذاعات التي تحرص على تقديم مستوى ملتزم من الخطاب السمعي الهادف الذي يتسم بالمسؤولية المهنية والاخلاقية لقواعد العمل الاعلامي من اجل ارسال رسالة إعلامية، تعكس الوجه المشرق والمتطور للاعلام العراقي، وتمثل امتدادا مشرفا لتاريخ إذاعاتنا العريقة.



