
طه جزاع
في الثالث من أيار، الذي أقرّته منظمة اليونسكو يوماً عالمياً لحرية الصحافة، لا يبدو الحديث عن حرية الكلمة ترفاً فكرياً، بل ضرورة إنسانية وسياسية وأخلاقية. فالعالم، وفق تقارير المنظمات الدولية، يشهد تراجعاً مقلقاً في مستويات الحرية الإعلامية، حتى باتت الكلمة نفسها مهددة في أصل وجودها. وتشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة إلى أن نحو 186 صحفياً قُتلوا بين عامي 2022 و2025 أثناء تغطيتهم للحروب والنزاعات، بزيادة بلغت 67% عن الفترة السابقة، فيما سُجل عام 2025 وحده مقتل 93 صحفياً، معظمهم في مناطق صراع .
وهذه الأرقام لا تعبّرعن إحصاءات جامدة، بل عن واقع تتآكل فيه حماية الصحفي يوماً بعد آخر. أما لجنة حماية الصحفيين في نيويورك فتشير إلى أن عام 2025 كان من أكثر الأعوام دموية، إذ قُتل نحو 129 صحفياً وعاملاً إعلامياً، وهو رقم قياسي منذ بدء توثيق هذه البيانات. ولا تقف المأساة عند القتل، بل تمتد إلى السجون، حيث يقبع مئات الصحفيين خلف القضبان بتهم تتعلق بـ ” أمن الدولة ” أو مخالفة القوانين. وفي السياق ذاته، يؤكد الاتحاد الدولي للصحفيين أن النزاعات المسلحة، خصوصاً في فلسطين وأوكرانيا والسودان، أصبحت بيئات طاردة للصحافة، حيث لم تعد صفة ” PRESS” توفر الحماية، بل تحوّلت أحياناً إلى علامة استهداف. ولعل المثال الأكثر قسوة يتجلى في الحرب على غزة، التي وُصفت بأنها الأكثر دموية في تاريخ الصحافة الحديثة، إذ قُتل فيها مئات الصحفيين، معظمهم من الفلسطينيين، أثناء تأدية عملهم، ولا يقتصر التهديد على مناطق الحرب، فوفق تقارير دولية حديثة، يعيش أقل من 1% من سكان العالم في دول تتمتع بحرية صحافة جيدة، بينما تعاني غالبية الدول من مستويات صعبة أو خطيرة من القيود الإعلامية. وهذا يعني أن حرية الكلمة لم تعد أزمة محلية، بل أزمة عالمية تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا.
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن حرية الكلمة في خطر، فهي لم تعد مجرد حق قانوني، بل أصبحت معركة يومية يخوضها الصحفي في الميدان، وفي غرفة التحرير، وحتى في الفضاء الرقمي الذي بات بدوره ساحة للتضليل والضغط والتشويه.



