النخيل نيوز
آراءنيوز بار

من الذاكرة…

محمد علي الحيدري

في بدايات عملي الإذاعي، كان دخولي إلى غرفة التحرير يشبه دخول متدرّب جديد إلى خلية مهنية نشطة، حيث تُصاغ الأخبار بعيون الصحافيين وخبرتهم. هناك، تُكتب المسودات الأولى بخط اليد، تُراجع، تُنقّح، وتُعدّل قبل أن تُمنح صفة “صالحة للبث”. كنت أتسلّم المواد الأولية، أقرأها بعناية، أدقّق لغتها، وأقترح تعديلاتها. وبعد موافقة مدير التحرير، أعيد إليه جميع الأخبار كي يعيد ترتيبها وفق سلّم الأولويات وأهمية الأحداث.

كانت بعض الأخبار بصفحة واحدة، وبعضها يمتد إلى صفحتين أو ثلاث. وكل صفحة تحمل رقمها، وكل خبر يحمل عنوانه، ومع ذلك كان احتمال الاختلاط قائماً، خصوصاً في مساءات الضغط وقبل دقائق من رأس الساعة.

وبعد اكتمال كل شيء على الورق، تبدأ معركتي مع الوقت. أضم الأوراق بين يدي، ألقي عليها نظرة أخيرة، ثم أستجمع خطواتي وأهرول نحو الاستوديو في الطابق الآخر. الدقائق تضيق، والسلالم تبدو أطول مما هي عليه، حتى أصل إلى الكرسي الخشبي الملاصق للميكروفون، وأضبط أنفاسي قبل أن تبدأ النشرة تماماً على رأس الساعة.

في تلك الليلة، مضى الخبر الأول كما يجب، ثم الثاني، إلى أن وصلتُ إلى الخبر الثالث. أنهيت الصفحة الأولى، منه مددت يدي لالتقاط الصفحة الثانية التي تتضمن بقية الخبر… فلم أجدها. قلبت الأوراق بخفة من دون أن يمسّ صوتي أي اضطراب. الصفحة مفقودة. لا وقت للسؤال ولا مجال للتوقف. فاستحضرت المحتوى الذي دقّقته قبل قليل في عرفة التحرير، واستكملت الخبر من ذاكرتي كما لو كانت الصفحة أمامي. وبعد دقائق، تبيّن أن الخلل وقع في غرفة التحرير لحظة ترتيب الصفحات، وأن المزج بين الأوراق جعل خبرين آخرين يقعان في المطب ذاته. فاضطررت مرة أخرى إلى الاعتماد على حفظي وفهمي المسبق للمادة.

من هنا أدركت درساً ظل يتجدد معي عبر السنوات: المذيع الذي يظن أن الأوراق وحدها تحميه على الهواء، يضع نفسه تحت رحمة الصدفة. فمراجعة النشرة ليست عملاً ثانوياً، بل شرط مهني لا يُستغنى عنه. أن تقرأ الخبر بعقلك قبل لسانك، أن تفهم تسلسله، وأن تعرف فكرته الأساسية… ذلك ما يضمن لك البقاء متماسكاً مهما اضطربت الأوراق.

ولعل المفارقة أن هذا الدرس القديم أصبح اليوم أكثر ضرورة في عصر التكنولوجيا الحديثة. فحتى التليبرومتر – مهما بدا منقذاً – قد يقفز سطره، أو يتجمّد، أو يعرض فقرة غير مكتملة. وهنا لا يفيدك شيء بقدر ما يفيدك فهمك للنشرة وقدرتك على إكمال الفكرة بثقة وهدوء.

ولذلك، نصيحتي لكل مذيع جديد:
• لا تعتمد اعتماداً أعمى على الورقة أو الشاشة.
• راجع النشرة، صحّح لغتها، وافهم مضمونها.
• تخيّل نفسك بلا أوراق ولا تليبرومتر… هل تستطيع المتابعة؟ إن كانت الإجابة نعم، فأنت جاهز للهواء.
• وإن كانت لا، فاجلس لدقيقة إضافية قبل دخولك الاستوديو، فهي الدقيقة التي تصنع الفرق بين مذيع يقرأ… ومذيع يملك النشرة.

فالمهنية تبدأ قبل البث، في غرفة التحرير تحديداً، حين تدقق النص كما لو تضع بصمتك عليه. وهناك فقط يتشكل صوت المذيع الواثق… ذاك الذي لا تُربكه ورقة مفقودة ولا تكنولوجيا متعثرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *