النخيل نيوز
آراءنيوز بار

‏كلام في صحافة الحرب

وليد إبراهيم

‏كصحفي، ومن وحي تجربة عملية امتدت لنحو 25 عاما، فان واحدة من اهم دورس هذه التجربة هو عدم التسليم وتصديق كل ما يُنشر من بيانات وتصريحات يمكن ان تصدر من طرفي اي ازمة او الأطراف الاخرى التي لها علاقة او مصلحة مباشرة بالازمة او الحدث.
‏وهذا الكلام ينطبق تماما على ما يحدث الان والحرب التي تجري ضد ايران.

‏بشكل عام، لا اثق بالتصريحات التي تصدر من اسر ١ ءيل، لاني اعرف حقيقة انها يمكن ان تندرج ضمن بروبوغندا الحرب والحرب النفسية. فقد اثبتت التجربة أن الاسر ١ ءيليين وماكنتهم الإعلامية، وخاصة المقربة من النظام او التي تدور في فلكه، أساتذة في أساليب الاحتيال والفبركة. ولا أبالغ إن قلت ان هذه الأساليب جزءا أصيلا منّ مؤسساتهم الإعلامية خاصة عندما يتعلق الحدث بنا كعرب ومسلمين.

‏يختلف الأمر مع ايران. لكن المشكلة ان الموسسة الإعلامية في ايران تخضع بشكل او باخر لمؤسسة الحكم شديدة المركزية ولقبضتها الحديدية، ولا استثناء في هذا الوصف. وهذا بحد ذاته سببا كافيا لعدم التسليم وتصديق كل ما يصدر من هناك لانه يخضع لاعتبارات الامن القومي للدولة بعيدا عن مفهوم حرية الصحافة والمهنية الصحفية.

‏الأمر قد يكون مختلفا مع وسائل الإعلام الأمريكية. فعراقة هذه الموسسات وما اكتسبته من خبرة متراكمة كبيرة في عالم الصحافة جعلها تتصدر المشهد في موضوع حرية الصحافة لتكون طرفا فاعلا في نقل وصناعة الخبر من مصادره، يساعدها في هذا هو وجود بيئة ملائمة لحرية الصحافة التي كفلها القانون والدستور والتي لا تمتلك الدولة وسلطاتها اي سلطان على الإعلام والمؤسسات الصحفية، الا بحدود ضيقة جدا ولاعتبارات يمكن ان تكون لها علاقة بالتمويل او النفوذ، سياسيا كان او ماليا.

‏ومع كل هذا فان متابعة كل ما يصدر من وسائل الإعلام هذه وغيرها هو أمر حتمي ومهم جدا لمعرفة تفاصيل ما يحدث والحرب التي تجري منذ ايام ضد ايران والتي اتسعت مساحتها الجغرافية بشكل كبير.
‏وبين ما يصدر من معلومات مضللة وأخرى حقيقية، يبقى التحقق مما ينشر أمر غاية في الاهمية. ورغم كل ما يمكن اتخاذه من اجراءات للتحقق من هذا التدفق الكبير من الاخبار، فإن احتمال الوقوع في الخطا والتعامل احيانا مع اخبار غير حقيقية، يبقى أمراً وارداً خاصة مع حدث متحرك بشكل كبير وتطوراته سريعة ومهمة وينتظرها بشغف جمهور واسع من المتابعين في أنحاء العالم.

‏واذا كانت السرعة في نقل الخبر تبقى عنصرا اساسياً لكل وكالات الانباء والمؤسسات الصحفية، فان المؤكد هو ان هذا المبدأ يعتبر سلاح ذو حدين لانه ممكن ان يكون سببا رئيسيا في الوقوع من غير قصد بالخطا من خلال نقل اخبار قد تكون مفبركة ومضللة ومقصودة أيضاً قد يلجا اليها احد طرفي الأزمة بهدف التشويش على الطرف الاخر او إرباك الداخل لديه او التأثير سلبا بمعنوياته، وهذه احد أساليب الحرب النفسية.

‏ان واحدة من اهم الدروس المستنبطة لتجنب الوقوع في الخطا هو عدم الانجرار بسرعة وراء نشر الخبر والتفكير مرتين باصل الخبر والسياق العام له، والاهم نسب الخبر لمصدر موثوق.

‏وعندها فان احتمال الوقوع في الخطا من عدمه سيتحمله المصدر الذي نسب اليه الخبر. لكن هذا لا يمكن ان يكون مبررا لتجنيب مسوولية الإخفاق في الوقوع بفخ الاخبار المضللة خاصة عندما يكون مصدر الخبر غير صريح او انه طلب عدم ذكر اسمه، وهذا أسلوب شائع في العمل الصحفي.
‏وهنا يتوجب على الصحفي ان لا يتخلى أبدا عن حسه الصحفي في تبيان وفرز صدقية الخبر من عدمه من خلال التمعن بالخبر والسياق العام له.

‏من لا يمتلك حساً صحفيا لن يكون صحفيا حقيقيا. الحس الصحفي هو عنصرا رئيسيا ومهما لتجنيب الصحفي وحمايته من الوقوع في فخ الاخبار المضللة. والصحفي الذي لا يمتلك حسا صحفيا سيبقى عرضة للوقوع في مطب الاخبار المضللة.
‏يبقى أمر مهم وهو أن لا يسمح الصحفي لاي طرف بإستخدامه كاداة لبث ونشر اخبار مزيفة غايتها التضليل والخداع على حساب نقل الحقيقة. وهذا أمر ليس بالهين خاصة عندما يكون الطرف الضاغط هو الموسسة التي يعمل بها الصحفي، وهنا يكون الموقف صعبا جدا وضاغطا بشكل كبير لانه قد يودي إلى قطع رزق الصحفي.

‏الصحافة ليست “مهنة” او وظيفة، والصحفي ليس موظفا او آلة يتعامل بطريقة ممنهجة مع الاخبار، وينتهي عمله بنهاية ساعات العمل، بل هو اكبر من ذلك بكثير، هو عين المجتمع ومراته في نقل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة. قد يضطر الصحفي احيانا ولاعتبارات عددية إلى نقل نصف الحقيقة. غير فهذا فالأصل له أن يصمت او أن يتنحى جانبا.
‏قدره ان مهنته هذه لا تسمح له بالتراخي أبدا حتى عندما يكون الجميع مسترخياً.

‏ملاحظة: هذا الكلام موجه للصحفيين الحقيقيين وللصحافة الحقة، لا للمؤدلجين ولا للصحفيين الموظفين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *