
علي سرور
لم تنتهِ الحرب، لكن جبهتها الرقمية سجّلت تحوّلاً واضحاً: تراجع التعاطف الغربي مع إسرائيل، فضح مقاطع الجنود في جنوب لبنان نسف المنازل وتحطيم الرموز الدينية، وتصاعد نقد ترامب داخل معسكره، وحضور أصوات تحليلية جديدة عربياً. في المقابل، اتسعت الرقابة والدعاية الخليجية والإسرائيلية دفاعاً عن سرديات متآكلة
لم تضع الحرب أوزارها بعد، ولا يزال الكباش على حاله في الخليج الفارسي. كما يواصل الاحتلال عدوانه على لبنان، وإن حصره مرحليّاً في منطقة جنوب نهر الليطاني. ورغم عدم اكتمال المشهد النهائي، سياسياً وعسكرياً، إلّا أنّ الأشهر الأخيرة أظهرت تشابكاً بين الحرب العسكرية وامتداداتها الافتراضية والإعلامية.
في هذا الإطار، تركّزت جهود بعض الدول الخليجية على خوض النزال عبر فرض نظام رقابي غير مسبوق على مواقع التواصل الاجتماعي. الأمر ذاته يكاد ينطبق على رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، الذي أدار غرفة العمليّات عبر «تروث سوشال»، لغاية في نفس يعقوب. أمّا حليفته «إسرائيل»، فأبدت ارتيابها من التسونامي الجارف في الرأي العام العالمي، لا سيّما في البيئة الغربية التي أضحت «غير حاضنة».
في هذا الصعيد أيضاً، حاول الاحتلال «مغازلة» بعض الأطراف اللبنانية، تماشياً مع المواقف الحزبية في لبنان التي اعتبرت قواتها «إنسانيّة». لكن حالما دخلت «الهدنة» في لبنان حيّز التنفيذ، حتّى دخلت معها هواتف الجنود الإسرائيليين إلى القرى الجنوبية المحتلّة لتوثيق تجاربهم.
وبهذا انقلب السحر على الساحر، ليرى اللبنانيّون ومعهم النشطاء حول العالم، مشاهد نسف المنازل المدنية، وسرقة خيرات المزارعين، والأخطر، تحطيم الرموز الدينية. وبينما ارتقى باحثون، مثل حسن أحمديان، إلى المشهد الإعلامي من الباب الواسع، ارتقى إعلاميّون آخرون على أرض لبنان. بعد سنوات من المثابرة والمواجهة في أعتى الظروف، نال الغدر الإسرائيلي من آمال خليل وعلي شعيب وفاطمة فتوني، في محاولة لاستكمال إبادة الحجر والبشر بإنهاء الصوت والصورة في جنوب لبنان.
العالم يلفظ «إسرائيل»
بدأت ملامح الترابط بين مواقع التواصل الاجتماعي والحرب منذ ما قبل حصولها، إذ رزح سكان منطقة الشرق الأوسط تحت وطأة أجواء الترهيب منذ مطلع العام، من قبل صفحات انتشرت كالنار في الهشيم تدّعي قراءة تقييمات عسكرية أو تقديم تحليل «معمّق» بناءً على تحرّكات لوجسيتية، حتّى إنّ بعضها انكبّ على استدلال مآل الأوضاع عبر مراقبة معدّل طلبيات «البيتزا» في المطاعم القريبة من مبنى البنتاغون.
وبعد أسابيع من الحرب النفسية على المنطقة، من خلال التهديدات السياسية تارةً، والتبشير الروتيني باقتراب «ساعة الصفر» على المنصّات طوراً، انطلقت المغامرة الأميركية – الإسرائيلية الكبرى. وبينما اعتمدت الإدارة الأميركية لقب «الغضب العارم» على العدوان بما يعكس «جماح» ترامب ويمينيه المحافظ المتعطّش لإبراز القوّة، أوقعت تل أبيب حليفها الأميركي في مأزق خلال الساعات الأولى من بدء الحرب.
جاهد ترامب لأشهر لدحض فكرة انسياقه الكامل خلف مصالح رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو. وعوضاً عن مساندته في ذلك، دعّمت القوات الإسرائيلية هذه «التهمة» بعدما أعلنت تسمية الحرب على إيران «درع يهوذا»، بما يعكس العمق الديني للحرب ويصبّ في مصلحة السردية الأميركية الداخلية التي تتهم الرئيس الأميركي بالانصهار، لسبب «غير مفهوم»، في خدمة الاحتلال. لذلك سارع نتنياهو لكبح جماح قواته وأجرى عملية جراحية إعلامية مستعجلة، معلناً اعتماد مصطلح «زئير الأسد» لتخفيف الإحراج عن حليفه الأميركي.
من جانبٍ آخر، استدركت «إسرائيل» منذ العام الماضي مدى فداحة خسائرها الإعلامية والافتراضية، ووضعت خطّة مستحدثة قيد التنفيذ سبق أن كشف عنها نتنياهو نهاية العام الماضي خلال زيارة له إلى واشنطن، قوامها السيطرة على المنصات لدورها الأساسي في الحروب المعاصرة. في هذا السياق، لم تعد أدوات الخداع التقليدية تنطلي على القرّاء، وكلّما علا منسوب التلاعب بالمصطلحات وتحوير الحقائق من قبل وسائل الإعلام، كلّما ضجّ ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي لفضحها وإنهاء ما تبقّى لها من خيط رفيع من المهنيّة والمصداقية، كما حصل مع صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية خلال الأسبوع الأول من الحرب.
وضمن سياسة الترغيب والترهيب، عمل الاحتلال على تعويض خسائره الشعبية بواسطة الاستعانة بحلفاء من عمالقة «وادي السيليكون». في هذا الإطار، كشفت تقارير إعلامية عن حملات إعلانية عبر منصّة يوتيوب بملايين الدولارات، وصلت إلى أكثر من 45 مليون مشاهد أوروبي في محاولة لاستمالة تعاطفهم عبر تصوير «إسرائيل» كقوّة «دفاعية» تحمي «الحضارة الغربية». أمّا من جهة الترهيب، فقد أعلن «وزير شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية»، عميحاي شيكلي، قبل أسبوعين، عن «لائحة سوداء» تضمّ أكثر عشرة صحافيين وناشطين يمثّلون تهديداً للدولة الصهيونية حول العالم، من بينهم غريتا ثونبرغ وتاكر كارلسون وباسم يوسف.
اضطرّت صحيفة «ديلي تيليغراف» إلى حذف تحقيقها «المسيحيّون و«حزب الله» متّحدون في مواجهة إمبراطوريّة إبستين»
في مقابل هذه الخطّة الإعلامية والافتراضية لمحاربة المزاج الشعبي العالمي المناهض لسياسات إدارة ترامب وحليفتها في الشرق الأوسط، تواصلت الصفعات الإعلامية لتعرية جرائم الاحتلال. وآخر فصول هذه المواجهة، أشعل غلاف مجلّة «لاسبريسو» الإيطالية جدلاً عالمياً بعد تجسيده بصريّاً لعنف الاستيطان في الضفّة الغربية عبر مشهد مكثّف يضمّ الجلّاد بأبشع أوجهه، والضحيّة الفلسطينية بكامل مظلوميّتها.
وفي سياق أميركي مواز، جنّ جنون دونالد ترامب على حليفه الأسبق تاكر كارلسون بسبب مواقفه الشرسة من سياساته الانبطاحية للاحتلال في الشرق الأوسط. وبما أنّ كارلسون يعدّ بمثابة أبرز صقور حركة «ماغا»، انتقل الرئيس الأميركي من سياسة الاستيعاب إلى خطّة قطع الذراع التي تؤلمه، معلناً الطلاق بينه وبين الإعلامي اليميني. ووصل تصدّع أفرقاء البيت الواحد إلى حدّ اتهام كارلسون بالعمالة لإيران، إلى جانب التهديد بسحب التراخيص وقطع التمويل عن قنوات إعلامية معيّنة «تُزعج» الرئيس.
في موازاة هذا كلّه، وفيما الاقتصاد العالمي يلفظ أنفاسه بسبب انقطاع أبرز موارد الطاقة، انشغل ترامب باستثمار الأحداث المصيرية التي تُشغل مئات ملايين البشر، والإفادة من منصبه كقائد «للعالم الحرّ»، للترويج لمنصّته «تروث سوشال» عبر نشر أهمّ القرارات السياسية الأميركية والعالمية على حسابه فيها. علماً أنّ المنصّة تعدّ من أغرب نماذج العمل في الولايات المتحدة، إذ رغم فشلها في جذب المستخدمين لسنوات، لا تزال تحتفظ بسعر سوقي ضخم، بسبب تداخل السلطة والمال فيها.
مدن زجاجية ترمي الآخرين بحجارة
على الصعيد العربي، انشغل الجمهور العربي بالشخصية الإيرانية الشابّة، حسن أحمديان، الذي نجح في أسر عقول الشعوب المتعطّشة لفكر استراتيجي عوضاً عن الصراخ العاطفي والشعبوي الساعي إلى تجييش الغرائز وتحييد المنطق. ومن استديوهات الدوحة إلى هواتف عشرات الملايين، برزت مشاركات أحمديان المتتالية في برنامج «نقاش الساعة» على «الجزيرة» القطرية. إذ فرض حضوره الهادئ والواثق رغم تفوّق الخصوم عدداً، مستنداً إلى خلفية أكاديمية ومستعيناً بحجج صلبة من أجل إعادة تشكيل سرديات الصراع في المنطقة.
واستطاع الباحث الإيراني كسر حلقة مفرغة تتكئ على عناوين وصفها بـ «كسل عقلي وشلل إدراكي» جهدت البروباغندا المستعربة على بثّها من أجل تخدير الشعوب فكرياً وثقافياً. لكن شرائح عربية واسعة انجذبت لخطاب أحمديان بما يشير إلى تعطّشها لمستوى علمي وموضوعي أرقى مما تقدّمه فضائيات البلاط لسنوات.
من جهة أخرى، تباينت خطط الدول الخليجية حول كيفيّة مواجهة القصف الإيراني. وبينما اختارت جميعها عدم الردّ غالباً، اختارت الإمارات العربية المتحدة تحديداً خلق «فقاعة» إعلامية وهمية لتسويق واقع مواز تبيعه للعالم الخارجي، عبر تجريم أي تصوير للضربات الإيرانية، لا سيّما في درّة تاجها دبي، إضافة إلى منع نشر أخبار ذات صلة، وسجن وطرد المقيمين والأجانب الذين لم يلتزموا إلى درجة أنّ حملات الاعتقال طالت عشرات البريطانيين بسبب منشورات أو تفاعلات بسيطة على وسائل التواصل.
وإلى جانب الرقابة الرقمية الصارمة، استعانت دبي بجيش من المؤثّرين المرتزقة للادّعاء بأنّ الحياة في «الفردوس المفقود» تسير كالعادة.
«آمال» الجنوب
شملت تداعيات هذه الحرب دولاً عدّة، من الإقليم وخارجه. كما حملت بطريقة أو بأخرى آثاراً على الاقتصاد العالمي بأكمله. لكنّ حصّة الأسد من إجرام الاحتلال حلّت على لبنان. إذ ما لبث أن حوّل اتفاق الهدنة الشامل، إلى فرصة لتفريغ حقده الدفين تجاه لبنان عبر تنفيذ أكثر من مئة غارة خلال دقائق معدودة، خلّفت وراءها مئات الشهداء، جلّهم من المدنيين. وبينما انشغل اللبنانيون في لملمة أشلاء شهدائهم، خرج بعض الإعلام الخليجي، بمرافقة إعلاميّي البلاط المحليّين، لضخّ تشويش واسع يُبرّر مجازر العدو المهولة. علماً أنّ القوات الإسرائيلية نفسها لم تتبنّ أياً من الادعاءات التي روّجت لها حفلة البروباغندا المعهودة.
ومع وجود أعذار أو من دونها، واصلت القوات الإسرائيلية حملة الإبادة المتكاملة في جنوب لبنان. بعد تهجير المدنيين، عملت على نسف آلاف المنازل وعشرات دور العبادة، والمرافق العامّة والبنية التحتية. إلى جانب ذلك، ولاستكمال إنهاء الجنوب صوتاً وصورة، اغتال الاحتلال أبرز الوجوه الإعلاميّة لهذه المنطقة، على رأسهم الشهداء آمال خليل، وعلي شعيب، وفاطمة فتوني، مع غيرهم من الأصوات التي أبقت لعقود أثر الجنوب اللبناني حاضراً في يوميّات المواطن اللّبناني.
كذلك، أسهمت عادة الجنود في نشر أفعالهم خلال الحروب على وسائل التواصل الاجتماعي في كشف وجههم الحقيقي للبنانيّين. إذ تناقل الناشطون على نطاق عالمي مشاهد عدّة توثّق استباحة المنازل وسرقة المحاصيل الزراعية، إضافة إلى مقطع يُظهر سحب الجنود لجرو صغير من أمّه. لكنّ الصورة الأبرز محليّاً وعالمياً، والتي عرّت سرديات الاحتلال الدعائية، كانت في تحطيم تمثال المسيح في قرية دبل.
يقول المثل العربي الشهير «رُبّ ضارة نافعة». ورغم المصائب والخسائر الفادحة، إلّا أنّ الاحتلال أسهم في تسجيل هدف دعائي معاكس في مرماه. لكن المسعى الإسرائيلي يصطدم في الأساس مع واقع مغاير كشفه تحقيق ميداني أجرته صحيفة «ديلي تيليغراف» البريطانية، حمل عنوان: «المسيحيون و«حزب الله» متّحدون في مواجهة إمبراطوريّة إبستين». العمل الذي ارتكز على شهادات مسيحيّين في لبنان، خلُص إلى «وجود وحدة دم ومصير» بين الأطياف اللبنانية.
وحاز التقرير انتباه مسيحيّي الغرب الذين لم يعهدوا معلومات عن المنطقة غير تلك المعلّبة من قبل المنظومة الإعلاميّة «الإبراهيميّة». لذلك سارعت الصحيفة البريطانية سريعاً إلى حذفه عن موقعها الإلكتروني، إلّا أنّ ذلك أسهم في التسويق للتقرير بعد نشر ناشطين لنسخ منه.
لم تسدل الحرب ستارها بعد. كما أنّ الهدنة «الموضعيّة» لم تنسحب على الجبهة الإعلامية والرقمية. على العكس، اغتالت قوات الاحتلال الإعلامية آمال خليل بعد توقف إطلاق النار، وعن سابق إصرار وتصميم في منطقة خارج «الخطّ الأصفر» الذي فرضت القوات الإسرائيلية إخلاءها. كما أنّ الرقابة في الكيان لا تزال في حالة ازدياد، بما يشير إلى أهميّة النشاط الدعائي، لا سيّما على وسائل التواصل التي توفّر مساحة خارقة للحدود الجغرافية، في معظم الأحيان. لذلك، تشكّل النهضة المعرفية والإدراكية الممتدة من شعوب الشرق الأوسط، وصولاً إلى داخل المعسكر اليميني المحافظ في الولايات المتحدة، تحدياً مستقبلياً وجودياً للمشاريع التوسّعية في المنطقة، لا تقلّ أهميّته عن مسار المعارك العسكرية، وهو ما يعيه الاحتلال تماماً.



