النخيل نيوز
آراءنيوز بار

(السوشيال ميديا) تُكبل الأفكار الراديكاليَّة

  مروة الجزائري

يحدث التغير الذي يُسقط الأعراف الاجتماعية ويقتلع المعتقدات التقليدية من جذورها بهدوء وبطء في البداية. فالناس لا يُسقِطون الملك فجأة، لسنوات وربما لعقود يُثرثرون عنه ويتخيلونه أنه عارٍ ومضحك (كما في القصة الخيالية) ويُنزلونه من رُتبة التبجيل إلى رُتبة الفاني. العبودية كانت واقعًا، حتى بدأ بعض الأشخاص بالارتياب من أخلاقية امتلاك بشر آخرين، وفكّروا في ما يمكنهم فعله، وتحول نقاشهم إلى مجموعة ذات هدف؛ إنهاء العبودية. ثم تحول النقاش إلى أفعال أدّت إلى تغيير العقول وسنّ القوانين في نهاية المطاف.

تناول غال بيكرمان في كتابه (الهدوء الذي يسبق: تاريخ نشأة الأفكار الراديكالية) المكون من عشرة فصول قُسمت بين حراكات حصلت قبل الإنترنت وحراكات حصلت بعده، وركزَّ تحديدًا على فترة مهمّة لا تُذكر عادة في تاريخ الحراكات الثورية، الفترة التي تسبق لحظة خروج الناس إلى الشوارع؛ فإذا عُدنا إلى اللحظة التي تصدعت فيها صخرة الواقع المشترك أول مرة، اللحظة التي قررت فيها مجموعة أشخاص الانزواء في مكان هادئ، وتبادل الأفكار في ما بينهم، ليطوروا حججهم ويعمقوا جدالهم ويثيروا الأسئلة الصحيحة، ويحددوا الأهداف ويرسموا الاستراتيجيات، ولنكُن أكثر دقّة، لحظة احتضانهم للأفكار الراديكالية.

يتفق بيكرمان مع تشبيه سول إلنسكي “إن الثورات الناجحة تتبع هيكل المسرحية المكون من ثلاثة فصول”، تشكل اللحظة التي تخرج فيها الحشود إلى الشارع ويهتفون بغضب الفصل الثالث، أما الفصلان الأول والثاني فهما الفصلان الطويلان اللذان تختمر فيهما الأفكار، ببطء وتمهل، التي تشعل أي حراك ثوري. وبدون الاستحضار والتخطيط والمناقشة والإقناع، وبالقفز إلى الفصل الثالث مباشرة، لن تختصر الثورات طريقها بل تصبح “مواجهة من أجل المواجهة – تأجج ثم العودة إلى الظلام”.

وطرح تساؤلا عمّا إذا كان الوسيط الذي نستخدمه يحدد ما يمكن أن نقول وطبيعة ما نقول؟ وهل نعرف حقًا ما هي حدود المسموح والمحظور بالنسبة لما يُعرض على وسائل التواصل؟ ويجيب: “الوسيط الذي نستخدمه لإجراء محادثة يُشَكِّل نوع المحادثات التي يمكن أن نجريها، بل ويضع حدود تفكيرنا.

بعبارة أخرى، الوسيط هو الحاوية التي تحوي أفكارًا محددة دون غيرها”، مجادلًا بأنه على الرغم من كل القوة التي قدَّمتها وسائل التواصل الاجتماعي للحراكات بسماحها لها بالتعبئة بسرعة هائلة وضمن نطاق غير مسبوق بوصولها إلى الجميع في غضون ساعات، إلا أنَّها “ليست بيئة مناسبة للسماح للأفكار الراديكالية بالبقاء والترابط ببطء”؛ ذلك أعاقتها أيضًا، فهي تنتزع أحد أهم خصائص النشاط الاجتماعي والسياسي؛ العمل الجاد المتمثل في صياغة أيديولوجية وهيكل تنظيمي وبناء هوية قوية وتحديد أهداف.

تتطلب أشكال التواصل ما قبل الرقمية “الصبر”، لأنها كانت تستغرق وقتًا للإنتاج ولتنتقل من شخص لآخر فأبطأت وتيرة الأحداث وفضّلت التراكم المتزايد للمعرفة، والإدراك أن سرعة وصول المعلومة لا يعني تجذرها أو تأثيرها على متلقيها، كما أكسبَت الحراكات اتساقا وطريقة لتشكيل الأيديولوجيات والمشاعر المتناثرة في منظور واحد جديد مقنع، وحصل “الانسجام” بين الأشخاص الذين انضمّوا لهكذا محادثات، ولتصور عالم جديد محددة معالمه احتاجوا إلى “النقاشات” المتأنية التي تطلب إنتاجها جهدًا حثيثًا، واكتسبوا إحساسًا أقوى بالهوية والتضامن، الذي بدوره حرّرهم “لتخيل” طريقة تمكنهم من ترتيب العالم ترتيبًا مختلفًا، كما وفرت الوسائط “التركيز” الذي سمح للناس بشحذ سخطهم من خلال الجدال والتنقيح وإعادة توجيه الجهود، والأهم من ذلك كان النشطاء والمعارضون والمنشقون “يتحكمون” بتلك الأدوات؛ تمكنوا من تحديد معاييرهم والتأكد من أنها تخدم غاياتهم.

ينقسم الكتاب إلى جزأين، الجزء الأول يتناول حراكات حصلت قبل الإنترنت شملت ستة فصول: الصبر، والانسجام، والخيال، والنقاش، والتركيز، والتحكم. تناول فيها الطريقة التي اخترعت بها هذه الحراكات وسيطًا أتاح لها أن تنشر أفكارها، بعيدًا عن أعين الرقابة المهيمنة مثل: جمهورية الرسائل في 1635، وجمع الالتماسات لطلب حق تصويت الطبقة العاملة في مانشستر عام 1839، وأول منفيستو للنسوية في إيطاليا عام 1914، والصحف المحلية في أكرا عام 1935، وساميزدات في موسكو عام 1968. بينما تناول الجزء الثاني حراكات اجتماعية وسياسية، اعتمدت اعتمادًا كبيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي مثل الربيع العربي في مصر، وحركة حياة السود مهمة، ونقاشات لقاحات كوفيد- 19 على تويتر، وحركة اليمين المتطرف المتعصبة للبيض والمعادية للنساء التي تبنّى أنصارها وجهات نظر سامّة.

وذكر كيف نُبعد الأفكار شديدة الضرر عن أنظارنا، ثم نقلق من تخمرها دون أن تُلاحَظ، كما حصل مع الأفلام الإباحية للأطفال على شبكة “الديب ويب” وجهود تجنيد “داعش” الإرهابي، وكيف ارتبطت هذهِ الأمثلة برؤيتنا للأماكن المُغلقة هذهِ الأيام. وذلك أمرٌ مؤسف “لأننا بربطنا هذهِ الزوايا المنعزلة بما هو أكثر تدميرًا وبغضًا فحسب، نتجاهل قيمتها، لا سيما بالنسبة للقوى المؤيدة للمجتمع التي هي في أمس الحاجة إلى مثل هذهِ الأماكن”، ويقول: “نحن بحاجة إلى ضمان إمكانية فصل تلك المساحات، خاصة في عالم مسطح صاخب للغاية لا يرى في الزوايا المظلمة إلا خطورتها، مع أنها المكان الذي يمكن أن تحدث فيه الانعكاسات الأولى للتقدم، وغالبًا ما تحدث”.

“مع أننا قد نستهجن ما يقوله عمالقة سيليكون فالي إن منصاتهم موجودة “لتغيير العالم” إلا أننا توقفنا عن التفكير في أي وسيلة أخرى يمكن من خلالها تغيير العالم؛ المنصات تهيمن. نعتقد خطأ أنها تعادل مقاهي القرن الثامن عشر (حيث تمَّ بالفعل احتضان الديمقراطية، التي يغذيها الكافيون والصحف).

لكنها لا تنفع الخطوة الأولى الأكثر أهمية في عملية إحداث التغيير؛ ذلك أنها تسمح للأفكار بالتأجج ثم تعود إلى الظلام الدامس. وما إن نتسلح بمعرفة المطلوب منّا حتى يتبادر إلى الذهن السؤال: كيف نجده اليوم ضمن حدود حياتنا على الإنترنت؟ نعرف أن لا بديل عن الإنترنت، ولكن يجب أن نُقدِّر تلك الحاويات الرقمية التي نستخدمها ونعترف بما تستبعده.

كما يجب ألّا نفترض أن حاضنات الإنترنت تخدم الأغراض التدميرية فحسب، فالتاريخ، يخبرنا بخلاف ذلك. ففي غرف الإنترنت المغلقة، عندما تكون الثورات مجرد محادثات حماسية بين المظلومين والحالمين، يبدأ التغيير التدريجي كذلك. نحن بحاجة إلى اكتشاف، أو إعادة إنشاء المراحل التي يمكننا أن نكتشف فيها تلك الأفعال، وإلا فأننا نجازف بمستقبل تظل فيه إمكانية وجود حقائق جديدة وطرق بديلة للعيش معًا في المجتمع بعيدًا عن متناول

يدنا”.

المصدر: كتاب The Quiet Before: On the Unexpected Origins of Radical Ideas الذي يقع في352 صفحة صدر عن دار بينغوين راندوم هاوس. الكتاب غير مُترجم حتى الآن.

غال بيكرمان كاتب ومحرر بصحيفة نيويورك تايمز ومُساهم منتظم بصحيفة نيو ريببلك وول ستريت جورنال. حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإعلامية من جامعة كولومبيا ومؤلف الكتاب الحائز على جائزة أفضل كتاب لهذا العام When They Come for Us, We’ll Be Gone،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *