عندما تتحول الصحافة الى اداة لتزييف الحقائق والتلاعب بالرأي العام

وليد إبراهيم
“فضيحة صحفية من العيار الثقيل” تلك التي كشفها مؤخراً صحفي ايراني كان يعمل لحساب صحيفة الغارديان البريطانية ذائعة الصيت عندما اعلن مؤخرا كيف أنه نسج من وهم خياله قبل نحو ستة عشر عاما مقابلة مع سجينة ايرانية نشرتها الصحيفة آنذاك لتتحول المقابلة فيما بعد الى قضية رأي عام أدى إلى ولادة سخط شعبي ورسمي كبيرين ضد إيران.
“الفضيحة” تناولتها في الايام القليلة الماضية عدد من وسائل الإعلام معتبرةً ماحدث بانه ليس مجرد تضليل اعلامي شاركت به الصحيفة الرائدة في المجال الصحفي، بل انها واحدة من اكبر عمليات الزيف الاعلامي الصحفي في التاريخ الحديث.
تعود الحادثة الى العام 2010، عندما نشرت الصحيفة في السابع من اغسطس من ذلك العام مقابلة قالت ان صحفي إيراني يعمل للصحيفة واسمه “سعيد كمال دهقاني” اجراها مع سجينة إيرانية اسمها “سكينة محمدي آشتياني”، كانت تواجه حكماً قضائياً بالإعدام بعد ان اُدينت من قبل محكمة ايرانية بتهمة “زنا المُحصن والمشاركة في قتل زوجها”.
وبسبب الوضع الذي كانت تعيشه ايران وحملة الانتقادات الواسعة التي كانت توجه ضدها في موضوع الحريات، فقد حظيت المقابلة آنذاك بانتشار عالمي واسع واعتبرت سبقاً صحفياً، حيث تم تقديم المتهمة بانها واحدة من ضحايا التعسف الايراني تجاه حقوق الانسان وبالذات حقوق المرأة.
ولان المقابلة اجرتها ونشرتها صحيفة الغادريان الواسعة الانتشار والتي ينظر اليها عالميا بانها واحدة من الؤسسات الصحفية التي يفترض انها تطبق معايير الصحافة الحرة بمهنية ومصداقية الامر الذي يجعلها صحيفة ذات مصداقية عالية ولا يمكن التشكيك بها، فقد تسببت المقابلة بموجة واسعة من الادانة العالمية رسمياً وشعبياً ضد ماكان يجري في ايران وبالذات ضد صانع القرار الايراني آنذاك. وبسبب هذه الضغوطات والادانات، فان حكم الإعدام رجماً بالحجارة الذي كان القضاء الايراني قد اصدره آنذاك، تم تخفيفه إلى السجن عشر سنوات، ثم اطلاق سراحها في العام 2014.
وقتها قالت الغارديان إن مراسلها في ايران اجرى المقابلة عبر وسيط، بمعنى انه لم يلتقِ بالمتهمة وجها لوجه. وبررت الصحيفة اللجوء لهذا الخيار بقولها إنه كان خياراً لابد منه بسبب الظروف الامنية والوضع القانوني الذي كانت تعيشه المتهمة وقتذاك، وهو موقف قد يجد له صدىً وتفهماً مقبولين من قبل الكثيرين خاصة العاملين في الصحافة. ففي هكذا ظروف وبيئة صعبة لا تسمح باجراء مقابلة مع هكذا شخوص فان توقع اجراء مقابلة بشكل مباشر قد يكون ضرباً من الخيال. والاستثناء هنا يفرض نفسه بقوة.
حتى الان تبدو القصة طبيعية، لكن غير الطبيعي هو ماحصل بعد ذلك.
ففي “صحوة ضمير متأخرة”، وبعد مرور ستة عشر عاماً، أعلن الصحفي الايراني الذي اجرى المقابلة انه لم تكن هناك مقابلة بالاساس، وأن كل ماقيل وقتها نقلا عن المتهمة ومانشرته الصحيفة انذاك لم يكن سوى وهم وأكاذيب ونسج خيال من الصحفي، لإنتاج المقابلة المزعومة. ولا داعي للتفكير كثيرا لمعرفة الغاية والهدف من وراء كل هذا. فهي إما تضليل الرأي العام العالمي وتحشيده بالضد من ايران، او الفوز بسبق صحفي. وهي احتمالات تجعل من الصحيفة شريكاً بهذا التزييف والخداع الذي حصل.
واذا افترضنا حسن النية بموقف الصحيفة فانه لا يمكن أبداً استبعاد فكرة ان الصحيفة اغمضت عينيها لمعرفة الحقيقة، فقررت التغاضي عن كثير من الاجراءات التي كان لابد من اتباعها لمعرفة حقيقة اجراء المقابلة من عدمه!!.
شكل هذا الاعلان والكشف المتاخر للصحفي الايراني صدمة كبيرة لوسائل الاعلام التي اعتبرت ماحدث بانه وصمة عار بحق الصحافة الحرة ارتكبتها صحيفة الغارديان التي تعتبر اسماً ورمزاً في عالم الصحافة الدولية ورمزا في المصداقية والمهنية الصحفية.
حتى اللحظة، لم تُعلن الصحيفة شيئاً ازاء هذه الفضيحة. ولا احد يعلم على وجه الدقة ماذا يعني هذا الموقف وهذا التجاهل الذي يثير الكثير من الاستغراب، هل هو محاولة للتهرب من مواجهة الحقيقة، ام ان هناك شيئاً آخر؟.
وبعيداً عن الخوض بتفاصيل ماحدث مع المتهمة الايرانية آنذاك وحقيقة التهم التي وجهت لها خاصة وان الاعلام العالمي كان قد صورها بانها ضحية لاراءها التي لم تكن تتوافق وموقف السلطات الايرانية انذاك، فان المهم في كل هذا هو ان هذه الحادثة تُعيد للواجهة الكثير من تفاصيل قواعد المهنة (التي تسمى اصطلاحا (Code of Conduct) والتي شكلت عنواناً رئيسياً لهذه المهنة النبيلة. هذه القواعد وما ينجم عنها من سلوك علينا جميعا كصحفيين واعلاميين التمسك بها حتى لا تتحول الصحافة الى أداة يستخدمها هذا وذاك من الفاعلين السياسين كسلاح مؤثر لتحقيق مآربهم ثم يتخلون عنها بل ويقفون بالضد منها عندما تتعارض هذه القواعد مع اهدافهم.
وبالعودة الى اصل الموضوع فان السؤال الاهم الذي سيتعين على الجميع مواجهته هو، هل ان الغارديان عمدت الى نشر المقابلة تماشيا وتماهيا مع مواقف سياسية كانت تهدف الى النيل من ايران باي طريقة حتى وان كانت هذه الطريقة هو التجاوز على قواعد الصحافة وفي مقدمتها المصداقية والنزاهة والشفافية؟
شخصياً لا أتوقع ان تُعلن الصحيفة موقفاً واضحاً إزاء ماحدث، إلا إذا تحولت هذه القضية الى راي عام ضاغط. ويقيني ان الصحيفة تشعر الان بكثير من الحرج وان اقصى ما تتنمناه هو أن يستمر هذا التجاهل غير المبرر من قبل وسائل الاعلام العالمية ازاء هذه الفضيحة.
المؤسف حقاُ هو ان ما ارتكبته الصحيفة من خطيئة بحق قواعد المهنة أصبح يحدث كثيراً الان وان كان بطرق واساليب عديدة تختلف بالشكل عن الفضيحة التي ارتكبتها الغادريان لكنها تلتقي بالمضمون.
مؤلم جدا أن نرى هذه المهنة النبيلة وقد فقدت في السنوات الاخيرة الكثير من اخلاقياتها ومبادئها التي كانت تتمتع بهما بسبب كثرة الطارئين واشباه المتعلمين الذين اقتحموا عالمها، هذا العالم الذي كان يتوهج ألقاً في المجتمع، لتنتهي إلى مجرد مهنة يمارسها كثيرون للارتزاق، واحيانا للابتزاز مع شديد الأسف.



