30 طالباً عراقياً في الصين.. رحلة علمية لبناء مستقبل قطاع النفط

يجسّد ثلاثون طالباً عراقياً مقولة «اطلبوا العلم ولو في الصين»، إذ يواصلون دراستهم على بُعد آلاف الأميال عن وطنهم، مدفوعين بطموح مشترك لبناء مستقبلهم في قطاع النفط.
وفي 15 نيسان الماضي، غادر الطلبة مطار بغداد الدولي، وعبروا القارة وصولاً إلى مدينة تشينغداو الساحلية المطلة على البحر الأصفر في الصين، حيث بدؤوا فصلاً جديداً من رحلتهم التعليمية.
ويمثل الطلبة الدفعة الأولى من العراقيين الملتحقين ببرنامج «رواد التميز» الذي ترعاه شركة بتروتشاينا العراق – غرب القرنة/1، وقد أمضوا حتى الآن أكثر من أربعة أشهر في الدراسة بجامعة الصين للبترول (شرق الصين).
وبالنسبة إلى هؤلاء الشباب العراقيين، فإن الرحلة إلى الصين تمثل رحلة في طلب العلم، وحلماً بمستقبل قطاع النفط العراقي.
وتعد هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها الحكومة العراقية صندوق التدريب ونقل التكنولوجيا والمنح الدراسية (TTSF)، لدعم دراسة طلبة عراقيين في الصين.
ومنذ أن تولت شركة بتروتشاينا العراق – غرب القرنة/1 دور المقاول الرئيس لحقل غرب القرنة/1 عام 2024، أولت اهتماماً كبيراً بتطوير الكفاءات العراقية المحلية، وعملت بصورة فاعلة على دعم المبادرات التي تحقق هذا الهدف.
ولا يمثل إطلاق برنامج «رواد التميز» مجرد فرصة تعليمية، بل يؤشر مرحلة أعمق في التعاون العراقي – الصيني في مجال الطاقة، إذ يمتد التعاون من المجالات التقليدية، مثل توفير المعدات والدعم الفني، إلى التطوير المشترك للكفاءات وتعزيز التواصل بين الشعبين.
كما يعكس البرنامج تقدير الحكومة العراقية وثقتها بالخبرات الهندسية والمعايير الفنية التي تتمتع بها شركة بتروتشاينا.
وينحدر الطلبة الثلاثون من محافظات مختلفة في العراق، وبعد خضوعهم لعدة مراحل من الاختبارات التحريرية والمقابلات التي نظمتها وزارتا النفط والتعليم العالي والبحث العلمي، تم اختيارهم من خلال عملية تنافسية عالية المستوى.
وبالنسبة إلى كل واحد منهم، كان اختيار الصين وجهة للدراسة قراراً مدروساً بعناية.
وكان حسين حيدر من بغداد، قد لاحظ في وقت سابق أن العديد من المنشآت الرئيسة والتقنيات الأساسية المستخدمة في مواقع الحقول النفطية بالقرب من مدينته تأتي من الصين، وهو ما دفعه منذ وقت مبكر إلى التفكير في الدراسة فيها.
أما أوس جلال علي، فقد حصل بالفعل على قبول من إحدى الجامعات في المملكة المتحدة، إلا أنه بعد معرفته بقبوله في جامعة الصين للبترول (شرق الصين)، اتخذ قراراً بالتخلي عن خطته للدراسة في بريطانيا.
وقال: “هذه الفرصة ثمينة جداً ولا يمكنني أن أسمح لها بأن تضيع، لأن الصين هي الخيار الأفضل”.
وفي 19 نيسان، أقيم حفل افتتاح برنامج «رواد التميز» في جامعة الصين للبترول (شرق الصين)، حيث ألقى تشن بي تشونغ، القنصل العام لجمهورية الصين الشعبية في البصرة، كلمة عبر الفيديو، شجع فيها الطلبة على الاجتهاد في دراسة تخصصاتهم، والتعرف بشكل أوسع على الصين، وتكوين صداقات مع الطلبة الصينيين، وأن يكونوا سفراء للصداقة التقليدية بين الصين والعراق.
كما خاطب المستشار العلمي والتعليمي في سفارة جمهورية العراق لدى الصين، مهند نجاح جواد الشروفي، الطلبة عبر الفيديو، قائلاً: “أنتم رواد، وتمثلون كذلك مستقبل قطاع الطاقة في العراق، وآمل أن تكتسبوا المعارف النظرية والخبرات التقنية التي يحتاج إليها العراق بصورة ملحة لإعادة بناء وتحديث قطاعه النفطي”.
وخلال الحفل، قدم محمد الطاووس، ممثل الصف، تعهداً نيابة عن جميع الطلبة، قائلاً: “لن نخيب آمالكم أبداً”.
ولمساعدة الطلبة في الانتقال إلى مرحلة الدراسة الجامعية، صممت جامعة الصين للبترول (شرق الصين) نموذجاً تعليمياً خاصاً بنظام «0.5 + 4»، يتضمن ستة أشهر من الدراسة التحضيرية، تليها أربع سنوات من الدراسة الجامعية للحصول على شهادة البكالوريوس.
وسيتخصص الطلبة بشكل رئيس في ثلاثة مجالات أساسية، هي: هندسة النفط، والهندسة الميكانيكية، والجيولوجيا.
وفي الوقت الحالي، يدرس الطلبة اللغة الصينية والرياضيات والفيزياء والكيمياء، إضافة إلى حصولهم بصورة منتظمة على دعم أكاديمي ودروس مساندة متخصصة.
وتابعت مشرفة الصف، سو هوي، عن قرب اجتهاد الطلبة ومثابرتهم، وأشادت بما يتمتعون به من انضباط ذاتي وعزيمة، مشيرة إلى أنهم نادراً ما يستسلمون عند مواجهة الصعوبات.
وأكدت أن وراء أداء الطلبة الأكاديمي ليس الموهبة وحدها، بل أيضاً الانضباط والمثابرة.
ومنذ وصول الطلبة إلى الصين، كانت اللغة الصينية واحدة من أكبر التحديات التي واجهوها، لكنها أصبحت في الوقت نفسه من أكثر المواد التي أحبوا تعلمها.
فمعظمهم لم يكن يستطيع التحدث باللغة الصينية قبل وصوله، لكن كلمة بسيطة مثل «ني هاو» – «مرحباً»، سرعان ما ساعدت في كسر الحواجز بينهم وبين السكان المحليين.
وقد اعتاد حسين علي، بدعم من أساتذته ومساعدي التدريس، على تعلم خمس كلمات صينية جديدة يومياً، ويولي اهتماماً خاصاً بالتمييز بين النغمات الصوتية والحروف أو الكلمات الصينية المتشابهة في النطق.
وفي كل مرة يعبر فيها السكان المحليون عن دهشتهم أو إعجابهم بتطوره في اللغة، يشعر بمزيد من الحافز للاستمرار في التعلم.
كما واجه علي الكرار، تحديات في تعلم اللغة الصينية، لكنه عمل بجد مع أساتذته، وتمكن بمساعدة أصدقائه العراقيين من العثور على مطاعم تقدم الطعام الحلال في تشينغداو، وقد منحته النكهات المألوفة شعوراً بالراحة والارتباط بالوطن.
وفي الوقت نفسه، أسهمت أنظمة الدفع الإلكتروني المتقدمة في الصين، ومنها «Alipay» و«WeChat»، في جعل الحياة اليومية للطلبة أكثر سهولة.
وقال علي الكرار: «يمكن إنجاز كل شيء عن طريق الهاتف المحمول».
ولا شك أن البعد عن الوطن يولّد شعوراً بالحنين، وللمساعدة في التأقلم مع الحياة في الصين، نظمت الجامعة زيارات إلى عدد من المعالم المعروفة، ووفرت لهم فرصاً لتجربة الأطعمة الحلال، والمشاركة في المهرجانات الثقافية الدولية وعروض الأفلام داخل الحرم الجامعي، مما أتاح لهم نافذة أوسع للتعرف على العالم.
وكان حسن أحمد، من بين الطلبة الذين أعجبتهم تجربتهم في الصين بشكل خاص، حيث قال: “رأينا في التراث الثقافي الصيني تاريخاً وإنجازات فنية عميقة تضاهي ما يتمتع به بلدنا من إرث حضاري”.
وتمتلئ أيام الطلبة بالمحاضرات والدراسة والتنقل بين القاعات الدراسية والسكن الجامعي، وعلى الرغم من أن البرنامج الأكاديمي المكثف قد يكون مرهقاً، إلا أن تذكرهم للفرصة القيمة التي وفرها لهم بلدهم والآمال التي يضعها آباؤهم عليهم، يمنحهم دافعاً متجدداً للاستمرار.
ويقول الطلبة: إن “قطاع النفط هو العمود الفقري للاقتصاد العراقي. ونحن فخورون بتمثيل الشباب العراقي أثناء دراستنا في الصين، وسنعمل بجد في دراستنا، وفي المستقبل سنكرس جهودنا للمساهمة في تطوير قطاع النفط في بلدنا”.
وهذا هو الطموح المشترك للطلبة العراقيين الثلاثين، الذين يرون في تجربتهم التعليمية فرصة لاكتساب المعرفة والخبرة، وفي الوقت نفسه تمثيل بلدهم وبناء جسور جديدة للتواصل بين العراق والصين.
ومن ضفاف نهر دجلة الى شواطئ البحر الاصفر، بدأت بذور المعرفة تنمو، وبالعلم والمثابرة والرؤية المشتركة للمستقبل، يخطو هؤلاء الشباب العراقيون خطواتهم الاولى نحو تحقيق احلامهم في قطاع النفط.
واقيم حفل افتتاح برنامج “رواد التميز” للطلبة العراقيين في جامعة الصين للبترول (شرق الصين)، وتابع الطلبة العراقيون دروسهم باهتمام، وعملوا على تعزيز اساسهم العلمي خلال المرحلة التحضيرية.



