العراق بين أكتوبر 2019 و2023.. تواطؤ بين الجميع لإنهاء الحريات

تحقيق بقلم: أحمد الشيخ ماجد
باحث في المرصد العراقي لحقوق الإنسان
خلال تغطيته لتظاهرات أمام القنصلية الكويتية في البصرة، استفاق مراسل قناة التغيير، “مصطفى الشمري” وسط حشد ينهال عليه بالضرب. كان ذلك في 8 نيسان/أبريل 2026، وهي الأيام الأخيرة التي سبقت وقف إطلاق النار المؤقت في الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران. تفاجئ الشمري بحفلة الضرب، ولم يدرك ما الذي فعله بالضبط ليتعرّض لكل هذا، لكن ما كان يسمعه في غمرة الصخب أنهم كانوا يهتفون ضده بوصفه “داعشياً ويعمل في قناة داعشية أيضاً”.
استخدم أكثر من 30 شخصاً العصي والهراوات، التي تسببت بعدة كدمات وتمزق في الرباط الصليبي، أدى إلى عجز الشمري عن الحركة إلى الآن. أرادت الجماعة التي حاصرته قتله، إلا أنّ “تدخل أحد الضباط ساهم في إنقاذه من الموت”. سبق ذلك، حملات تحريض تعرّض لها الشمري في مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما “فيسبوك”، وفق مقابلة أجراها معه المرصد العراقي لحقوق الإنسان.
لم ينته يوم الاعتداء ضدّ الشمري على ما يبدو دون إكمال سلسلة التنفيس عن غضب يتفاقم عند بعض الجماعات، حيث كان لافتاً ما تعرّضت له الصحفية نور التميمي في المحافظة نفسها، وذلك بعد محاولتها لتغطية قصف تعرّضت له “كتائب حزب الله” في خور الزبير. لم تدرك التميمي بوصفها امرأة في مجتمع جنوبي محافظ، أنها ستكون يوماً وسط رجال تحاول جاهدةً التخلّص من محاولاتهم للاعتداء الجسدي، وسط صياح هائل تسببه الإهانات اللفظية المستمرة.
لم تكن تريد التميمي إلا التغطية، لكن المجموعة التي حاوطتها سحبت هاتفها لأجل حذف ما قامت بتصويره. بقي عندهم لنصف ساعة إلى أن تدخل قائد شرطة المحافظة “الذي أقنعهم بإعادته”. في أحداث كهذه يشخص صحافيون أن الاعتداءات والانتهاكات تنتهي بشكل شبيه بما يحدث في الجلسات العشائرية التي تشهد تراضياً بين طرفين. قالت التميمي إنهم “سبحوا لوجو قناة الشرقية التي تعمل بها بعد أن سمعت كل أنواع الشتائم”، وذلك لـ”وجود حملة تحريض كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، عليها وعلى قناتها”، وفق مقابلة أجريت معها لصالح المرصد العراقي لحقوق الإنسان.
تعتقد التميمي أن “آثار الحرب على الصحفيين، تكون أقسى بسبب تصنيفات يتهمون بها، ولا تتركهم حتى بعد أن تنطفئ نيرانها”. وعلى الرغم من توجه أكثر الصحافيين إلى خيارات “مسالمة” وغير صدامية، إلا أنهم ـ حتى في حال اقتصار عملهم على تغطية الأخبار فقط ـ يبقون في مواجهة مفتوحة مع سهام التهديدات من أماكن كثيرة، حتى غير المتوقع منها. قالت التميمي إن قناتها، فضّلت عدم نشر الاعتداء عليها، خوفاً من تبعات التصعيد.
كان ما خلفته نيران المنطقة المشتعلة ليس سهلاً. يشعر عديدون أن التقييد والانتهاكات أصبحت بعد الحرب، لا تنبع فقط من أجهزة الدولة الرسمية والفصائل المسلّحة، بل وكذلك من قبل بعض الذين ينتمون إلى ما يعرف بـ”النخب الثقافية”، قال الكاتب والقانوني، ساطع عمّار، إن “هذه النخب أصبحت تعترض حتى على حقك بالصمت، في حالة هستيرية ترسم ملامح الفضاء العام”. من يصمت في عدم نصرة إيران على سبيل المثال، سيسأل عن أسباب حياده “في حرب أخلاقية”.
“إننا ضمن خسائر محتملة لحرب المنطقة، لأسباب تتعلّق بأننا نحسب على طرف في أي نزاع”، قال علي كريم (38 عاماً) وهو اسم مستعار لصحفي معروف وله خبرة واسعة بالجماعات المسلّحة في العراق. قال كريم وهو من محافظة ميسان، إنه “لم يكتب شيئاً منذ أن قتلت الناشطة ينار محمد”.
كانت ينار محمد، ناشطة نسوية وجدت مقتولة أمام منزلها بالعاصمة بغداد في 2 آذار/مارس. تعتبر محمد ضمن ناشطات بارزات في الدفاع عن حقوق المرأة، وعملت ـ كما تشير سيرتها الذاتية ـ على حماية النساء اللواتي يواجهن العنف منذ العام 2003. سبق اغتيال محمد، سلسلة منشورات ومقاطع مصوّرة، حرّضت عليها، خاصة في الصفحات المقرّبة من الفصائل المسلحة، وحتى الآن، لا تعلم ثلاث مؤسسات أمنية رسمية تم التواصل معها بمجريات التحقيق بخصوص ينار محمد، وهي: وزارة الداخلية – الأمن الوطني – جهاز المخابرات الوطني.
أثناء كتابة التحقيق تعرّض الناشط ضرغام ماجد إلى إصابات نارية مباشرة بمحاولة اغتيال في محافظة بابل. يعرف ماجد بنشاطه وقيادته للاحتجاجات في المحافظة. كان صاحب السلاح بوجه واضح أمام كاميرات المراقبة، ولم تقم السلطات بأي إجراء قانوني بخصوص كشف الجهة أو الأشخاص حتى اللحظة.
يعتقد ثلاثة أكاديميين فضّلوا عدم الكشف عن أسمائهم لأسباب أمنية، وأجريت معهم مقابلات مختلفة لصالح المرصد العراقي لحقوق الإنسان، أن انشغال الناس بأحداث جمة إثر الحرب، يجعل من عمليات الاغتيال والاختطاف أمراً لا يواجه ضجة كما تجري العادة، ولهذا تمر حوادث الاغتيال مرور الكرام، ويتمّ نسيانها بعد ساعات.
سياسيون وفاعلون في الفصائل المسلّحة يبررون الإقدام على الانتهاكات لأنها الحرب التي تتيح فعل المحظورات وتكسر قواعد الاشتباك، كما حدث مع الصحافية الأميركية، شيلي كيتلسون التي اختطفت في 31 آذار/مارس 2026. كانت صحافية مستقلة ولديها تعاون مع العديد من وسائل الإعلام الدولية المهتمة بالشرق الأوسط. تبنت “كتائب حزب الله” اختطافها، وقال المسؤول الأمني في الكتائب “أبو مجاهد العساف” بعد ذلك، إنه “قررنا إطلاق سراح المتهمة الأميركية شيلي كيتلسون، على أن تغادر البلاد فوراً”، مهدداً بأن “هذه المبادرة لن تتكرر مرة أخرى في قادم الأيام، فنحن في حالة حرب شنها العدو الصهيوأميركي ضد الإسلام، وفي مثل هذه الحالات تسقط الكثير من الاعتبارات”.
كتلة “حقوق” القريبة من “كتائب حزب الله”، برّرت عبر رئيسها، حسين مؤنس، اختطاف الصحفية، لأن “البلد في حالة حرب ولا مشكلة في ذلك”. اعتبر مؤنس أنّ “الخطف هو دفع الفاسد بالأفسد”، كما أن “اختطافها أفضل من اغتيالها، لأن الشارع ناقم على الولايات المتحدة الأميركية”، على حد تعبيره.
هيئة الإعلام والاتصالات.. “أداة رقابة”
بعض الآراء ربما تكون مقدمة لدخول أصحابها في قوائم قد تؤدي إلى متاعب غير محسوبة. في حرب الـ12 يوماً على سبيل المثال، طلب عضو مجلس المفوضين في هيئة الإعلام والاتصالات العراقية، محمود الربيعي، رصد الحسابات التي قال إنها “تدعم إسرائيل ضد إيران”، وذلك لمحاسبتها. نشرت صفحات مقرّبة من فصائل مسلّحة ذات الأمر أيضاً، وتحدثت عن أسماء زعمت أنها داعمة لإسرائيل.
بدأ الخوف يغلّف الآراء بوصفه الوسيلة المثلى للنجاة من عدم دخول قائمة “داعمي إسرائيل” التي ظن الخائفون أنها على طاولة رسمية في مقر هيئة الإعلام والاتصالات يقلّب بها القيادي في “عصائب أهل الحق”، محمود الربيعي.
يقود هيئة الإعلام والاتصالات بليغ أبو كلل، التابع إلى “تيار الحكمة” بزعامة عمار الحكيم، ويتقاسم مناصب أعضاء هيئة الأمناء، أشخاص ينتمون لمعظم القوى السياسية والأحزاب المسلّحة. يشبه صحافيون أجريت معهم مقابلات مختلفة، الهيئة بأنها “وزارة الإعلام في أيام النظام السابق”.
بين فترة وأخرى تصدر هيئة الإعلام والاتصالات جملة من القرارات التي تصفها بـ”الانضباطية” بحق إعلاميين ومحللين وصحافيين، تتضمن “منع الظهور الإعلامي” من على الشاشات لفترات تطول أو تقصر، حسب شدة العقوبة. لا يختلف الإجراء عن قطع لسان أحدهم، حيث لا يستطيع أن يتكلّم على أي وسيلة إعلامية إلا بعد انتهاء مدة العقوبة، لأن وسائل الإعلام تخاف أيضاً من إظهار “المعاقبين” لدائرة الضوء وحسب.
رصد التحقيق أكثر من 20 حالة انتهاك من قبل الهيئة، من أيار/مايو 2025 وصولاً إلى الربع الأول من العام 2026، وكان من بين “الممنوعين من الظهور” لأكثر من مرّة، الإعلامي ومقدم برنامج “الحق يقال”، عدنان الطائي، وبالنسبة للأخير، فإن التضييق لم يعد يقتصر على الجهات المسلّحة التي كانت تهدد وتحرض باستمرار، إنما بدأ يتعاظم من قبل المؤسسات الرسمية.
أشار الطائي إلى المرّات العديدة التي تعرض فيها إلى التشهير والتهديد والإيقاف من قبل هيئة الإعلام والاتصالات. قال إن “هناك شعوراً عاماً بزيادة القيود على حرية التعبير مع الحرب الأخيرة أو ما بعد 7 أكتوبر 2023. إنه هاجس يراود الكثير من مقدمي البرامج الحوارية”. قال أيضاً إن “هيئة الإعلام والاتصالات تحوّلت إلى أداة رقابية. يتدخلون حتى بالكلمات، رغم أننا لا نستخدم مفردات الكراهية أو العنف”.
قال المتحدث الرسمي باسم هيئة الإعلام والاتصالات، حيدر نجم العلاق خلال مقابلة مع المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن “الهيئة تعتمد على لائحة قواعد البث الإعلامي التي تهدف إلى تنظيم أشكال التعبير وعدم الانزلاق نحو التحريض على العنف أو الكراهية أو التعصب”. أقرّ أيضاً بأن بعض “المخالفات تكون جسيمة للغاية، كالإساءة للدولة أو مؤسساتها أو حتى إلى شخصيات رسمية أو دينية”.
تم توجيه أسئلة لثلاثة قانونيين، وهم: أمير الدعمي ومحمد جمعة وعادل محمد خلال مقابلات هاتفية متفرقة، بخصوص “الإساءة للدولة أو مؤسساتها أو الشخصيات الرسمية”، كما ذكر العلاق. اتفقوا جميعاً على أن الأمر “فضفاض ويحتمل أكثر من تفسير” وهو ما يستدعي معالجة قانونية.
تقريباً، تندرج معظم العقوبات الصادرة سواء من هيئة الإعلام والاتصالات أو غيرها، تحت مفهوم “الإساءة”. قال الخبير القانوني أمير الدعمي للمرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن “كلمة الإساءة فضفاضة تفسر على أهواء ومزاجات الخبرة الإعلامية التي تعطي رأيها في الرأي أو الطرح، دون أن تكون هناك قواعد لها”.
البرلمان يكمل “معادلة القمع”
يشعر صحفيون ونشطاء أن مجلس النواب العراقي، يعتبر واحداً من أكبر مصادر الإحباط في عدم تعزيز النظام الديمقراطي في العراق أو الدفاع عن الحريات. ومثالًا؛ اعتبرت الدورة الخامسة السابقة (من 2021 إلى 2025)، من قبل المرصد النيابي “الأسوأ” رقابياً وعملاً مقارنة بالدورات السابقة، لكنها من جانب آخر كانت من أكثر الدورات نشاطاً من ناحية تشريع القوانين التي وصفت بـ”الطائفية”، و”المقيدة لحقوق الإنسان”.
كان السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فرصة بدت ذهبية للعديد من أعضاء برلمان الدورة الخامسة، ليكونوا جزءاً من مصادر الاحتقان في البلاد. يعتقد الكاتب والقانوني ساطع عمّار أن العراق صار من خلال برلمان بوصفه فاقداً للتوازن “أمام معادلة قمع جديد مكتملة الأركان، حيث كرّست متغيرات السابع من أكتوبر وما تبعها من عدوان وحروب دولية، خطاباً طائفياً كان قد ترافق مع حكومة تابعة للإطار التنسيقي”.
قال عمّار إن ما حدث “كان فرصة مناسبة للهيمنة وتسريع المهمة الطائفية ومأسستها من خلال تشريعات قانونية وإجراءات تنفيذية”. حاول البرلمان عبر القوانين التي تتخذ تصورات طائفية، مثل “قانون الأحوال الشخصية”، أو “قانون العطل الرسمية”، أن “يفرض هيمنةً وتقييداً صارخاً للحريات ربما لم نشهده حتى أيام الحرب على داعش”، على حد تعبير عمّار.
كانت أجواء ما بعد السابع من أكتوبر وأحداثه، وما تبعها من استقطاب طائفي وعاطفي ملحوظ، خلقت أجواءً انتخابية ستؤدي إلى “دورة سادسة” بألوان ترسمها خارطة المسلحين والقوى التي تعرف بـ”المتشددة”. كانت النتائج صادمة بالنسبة للعديدين وتبشر بـ”قادم متجهم”، كما وصفه الباحث والأكاديمي، عقيل عباس، حيث ينعكس غياب التنوع النيابي، وهيمنة لون سياسي واحد على البرلمان بصورة مباشرة على قضايا الحقوق والحريات. بالنسبة للصحافي والناشط، محمد المحمودي (33 عاماً)، فإن “تمرير القوانين التي تخدم القوى المناهضة يصبح أمراً ميسراً لا يتطلب سوى إجراءات روتينية، في ظل غياب ظهير نيابي يدعم منظمات المجتمع المدني والكتاب وصناع الرأي، كما يضعف قدرة الأخيرين على بناء قنوات تواصل داخل البرلمان وتشكيل شبكات ضغط وتضامن قادرة على التأثير”.
لا تستبعد دراسات بحثية أن ما حصل في المنطقة بعد السابع من أكتوبر، كان جزءاً من رسم ملامح الخارطة الانتخابية في العام 2025 وحتى شكل الدعاية الانتخابية. لقد شعر الكثير من شيعة العراق بتهديد وجودي، خاصة بعد مقتل حسن نصر الله، وصارت وسائل الإعلام التي تمتلكها الفصائل المسلحة تضخ فكرة الخوف و”التهديد الإسرائيلي الذي يستهدف مجمل الصعود الشيعي في الشرق الأوسط”.
في 8 نيسان/أبريل الماضي 2026، صوّت البرلمان على أعضاء لجنة حقوق الإنسان والمرأة والتي ضمت النواب: مصطفى سند ومثنى علي مهدي التميمي، وأحمد رحيم الموسوي، ووحدة الجميلي، وأرشد الصالحي، وعبد الرحمن اللويزي.
يشعر أربعة صحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان جرى التواصل معهم بخصوص لجنة حقوق الإنسان، أن “اللجنة لا يوجد فيها من هو مهتم بشكل حقيقي بالحريات أو له سجل واضح في الدفاع عليها”. حاول المرصد العراقي لحقوق الإنسان التواصل مع أعضاء اللجنة بخصوص واقع حقوق الإنسان والخطط المقبلة، لكنه لم يتلق أي إجابة.
لدى ثلاثة أعضاء من اللجنة علاقات وثيقة وتنظيمية مع الفصائل المسلّحة، ولهم سجل في الدفاع عنها، بالإضافة إلى تاريخ من الدعاوى ضد أهل الرأي. في 21 آب/أغسطس 2025، أصدرت محكمة الكرخ، حكماً بالحبس لمدة 3 أشهر بحق الأكاديمي والمحلل السياسي، محمد نعناع، إثر دعوى رفعها عليه النائب مصطفى سند، وهو أحد أعضاء اللجنة. لسند نزاعات معروفة أيضاً مع إعلاميين ومدونين ومحللين ومدافعين عن الحقوق والحريات.
أما مثنى التميمي، كان محافظاً لديالى وقيادياً في فصيل “بدر” المتهم بانتهاكات لحقوق الإنسان، وحين أراد مجلس محافظة ديالى في العام 2016 استجوابه للمرة الثانية، طوّقت عشيرته وعناصر من “بدر”، مبنى المجلس خلال الجلسة، فيما تعرّض اثنان من أعضاء مجلس المحافظة لمحاولة اغتيال حال خروجهما من الجلسة، وفق تقارير صحفية. وقتها منعت عشيرة التميمي جلسة استجوابه الأولى، ووجهت تهديدات إلى أعضاء مجلس المحافظة، كما “هدّدت بحل المجلس في حال المضي بالاستجواب”.
أما أحمد رحيم الموسوي، وهو ضمن أعضاء اللجنة، ينتمي إلى كتلة “الصادقون”، وهي الجناح السياسي لفصيل “عصائب أهل الحق”، التابع إلى قيس الخزعلي. وتعرف العضو الآخر في اللجنة، وحدة الجميلي، بفيديو كان في كانون الثاني/يناير 2019، تسرّب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تطلق النار بأعياد رأس السنة من خلال نافذة سيارتها. وقتها اعتذرت النائبة من التصرّف، إلا أنها واجهت موجة انتقادات لكونها “نائباً لم يلتزم بالقانون”. بينما لا يعرف لعبد الرحمن اللويزي أي نشاط ملحوظ في قضايا حقوق الإنسان والحريات، باستثناء النائب أرشد الصالحي، بوصفه عضواً قديماً في اللجنة، وهو أيضاً سعى إلى وضع تقييدات في مسودة مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي خلال جلسات حضرها المرصد العراقي لحقوق الإنسان.
النقابات.. حرب ضد الحريات وليس لتحقيقها
قائمة الانتهاكات الطويلة على الحريات، دائماً ما تدفع إلى طرح أسئلة حول منظمات المجتمع المدني والنقابات ومواقفها في هذه الأجواء، لكن نقابة الصحافيين نفسها كانت تمارس “التضييق” أيضاً على الصحافيين، كما ظهر في 1 حزيران/يونيو 2025، حيث لاحق رئيس فرع نقابة الصحفيين في البصرة، صادق العلي، مدير قناة (البصرة 365) هديل المولى، بتهمة التشهير إثر منشور على “فيسبوك”. قالت المولى في تصريحات، إن “منشورها كان فقط انتقاداً لصمت النقابة إزاء الحملة التي تتعرض لها هي والمؤسسة الإعلامية التي تشرف عليها”.
في بحث على الموقع الإلكتروني للنقابة، والصفحة الرسمية لرئيسها مؤيد اللامي وهو ذاته رئيس اتحاد الصحافيين العرب، وجد كاتب التحقيق أغلب ما ينشر عبارة عن “مكافآت مالية” سنوية تقدمها الحكومة لصحافيين عن طريق النقابة، بالإضافة إلى نشاطات اللامي والمؤتمرات التي يعقدها أو يحضرها، وما يخص الهويات والانتماء للنقابة، أما الدفاع وتنظيم عمل الصحافيين والحديث عن حقوقهم أمام السلطات أو مؤسساتهم التي ترفض تنظيم عقود لهم، فلا أثر يذكر لها.
كان اللامي يشغل منصب نقيب الصحافيين العراقيين منذ عام 2008 إلى 2026. كان العديد من الصحافيين يشعرون أن الانتخابات مسيطر عليها من قبل اللامي، ومخرجاتها تشبه إلى حد كبير ما يجري في الانتخابات البرلمانية للنظام السياسي العراقي. في شباط/فبراير من العام الحالي، جرت انتخابات النقابة بدورتها الثالثة والعشرين، في العاصمة بغداد، والتي أسفرت نتائجها عن فوز الصحفي خالد جاسم نقيباً. لم يسمح القانون أن يعاد اللامي لمنصب النقابة، لكنه أصبح نائباً أول للنقيب الجديد أو كما يصف أحد الصحافيين خلال مقابلة أجريت معه بأن “اللامي تحول إلى نقيب الظل”.
قال الصحافي والكاتب علي المياح (31 عاماً) خلال مقابلة أجريت معه في بغداد، إن “نقابة الصحفيين لا تمثل العاملين في الصحافة إلا بقدر ما يمثل نظامنا السياسي إرادة مواطني البلاد”. بالنسبة للمياح، فإن النقابة مغلقة وانتخاباتها تجري بمخرجات معروفة مسبقاً، وهذا ما جعل النقيب الحالي أبدياً في منصبه منذ 20 عاماً، رغم تبادل المناصب بينه وبين نائبه في الدورة الانتخابية الأخيرة”.
لا يتذكر المياح متى أدانت النقابة محاكمة الصحافيين، لا يتذكر لها كذلك أي تحرّك لكبح موجات إغلاق المؤسسات الصحافية ومنع ظهور الصحافيين على الشاشات تحت غطاء المادة 226 الخاصة بإهانة السلطات والتي تعود إلى الأنظمة الشمولية التي حكمت العراق ما قبل 2003.
ينتمي المياح إلى جيل صحفي شاب يجزم أن “معظمه لا يملك أي وثيقة قانونية تثبت عمله في الصحافة”، قال إن “النقابة لا تسمح بدخول أي أعضاء جدد إليها بعراقيل بيروقراطية كثيرة لمنع أي تغيير انتخابي متوقع داخل النقابة، كما أنها تحرمهم من أي غطاء قانوني يحمي نشاطهم المهني”.
لدى الميّاح زملاء يعملون في الصحافة منذ 10 سنوات على أقل تقدير، لكن “النقابة مصرة على جعلهم عراةً تماماً في الميدان، مع أنها منحت عضويتها حتى لسائقي سيارات الأجرة للاستفادة من بعض امتيازات قانون المرور ومحطات الوقود وإجازات حمل السلاح”. يتذكر الميّاح تغطيته لحراك حول ارتفاع سعر صرف الدولار، انتهى بوابل من الرصاص أصيب خلاله أحد المصورين وصودرت معدات المراسل، وحتى مع كمية الحقيقة التي تظهرها ملابسهم الملطخة بالدم، لكنهما وقفا مذنبين أمام أحد القضاة لأن النقابة رفضت تزويدهما ولو بقصاصة ورقية تثبت عملهما في الصحافة.
عهد الدعاوى القضائية
في برنامج المقاربة الذي كان يعرض على قناة دجلة، سأل مقدم البرامج، سامر جواد، مستشار رئيس الحكومة، إبراهيم الصميدعي، عن أسباب الدعاوى القضائية التي يرفعها رئيس الحكومة، محمد شياع السوداني ضد الصحافيين. قال الصميدعي إنه ذهب إلى السوداني ونصحه بالآتي: “كن مثل نوري السعيد”. وهي إشارة إلى أن رئيس الوزراء في العهد الملكي لـ14 مرة، السعيد، كان يستمع إلى الانتقادات ولا ينزعج كما يفعل السوداني. قال الصميدعي إن السوداني أجابه بالقول: “حين أكون نوري سعيد، لا نستطيع أن نعزز الدولة”.
يبرّر عضو ائتلاف الإعمار والتنمية، مشرق الفريجي، عن أسباب كثرة الدعاوى التي يرفعها رئيس ائتلافه بحق صحافيين، بأن “الحكومات السابقة كان فيها اغتيالات وتغييب لصحافيين وناشطين، ولا نعلم الجهات التي ورائها، لكنّ حكومة السوداني لا توجد فيها هذه الحالات”. رأى الفريجي أن الانتقال من الاختطاف إلى الدعاوى القانونية “شيء جيّد”. تحدث الفريجي خلال مقابلة خاصة معه، عن عدم قدرة الجميع “تجاهل الشتائم أو الإساءات”.
حملت دعاوى ضد الإعلاميّين “أحمد ملا طلال” و”زينب ربيع” تهمة “الإساءة إلى رئيس الوزراء” فعلاً. لم يعرف أحداً إلى الآن ماهية الإساءة وما حدودها بالنسبة للتصورات الحكومية. خلال العام 2024 فقط، جرى حظر وحجب 9 مواقع خبرية وبرامج تلفزيونية وحسابات صحافيين، دون أن تتكشف الأسباب رسمياً إلى الآن، لكن يتمّ الحديث عن “إساءة” أقدم عليها المتهمون.
بمفهوم المادة 78 من الدستور العراقي، فإن رئيس الحكومة هو المسؤول التنفيذي المباشر لرسم سياسة الدولة، ومنها تدخله في قضايا حقوق الإنسان. قال الخبير القانوني أمير الدعمي، إن “ما جرى لحرية الرأي والتعبير في الأعوام الثلاثة الأخيرة، لم يشهده العراق سابقاً. اليوم، تغص المحاكم بآلاف الدعاوى على إعلاميين يكتبون بجرأة ويتحدثون عن السلبيات ومساوئ الأوضاع في العراق.
قال نائب الأمين العام لتيّار الخط الوطني، حامد السيد، خلال مقابلة خاصة، إننا “أمام تعسف قانوني ضد الأصوات المعارضة”. إذ أنّ “أجواء الدعاوى القانونية”، تخلق بيئة غير آمنة للعمل الصحافي، وبالتالي يعتبر “انعكاساً لقلق النظام السياسي من حرية التعبير”.
يعتقد الباحث عقيل عباس أن التضييق على الحريات هو قرار الإطار التنسيقي الذي أنهى المواجهة مع الصدريين آب/أغسطس 2022، بالسيطرة على السلطة والحيز العام. قال عباس إن عرض قوانين ذات طابع محافظ وتنتهك حقوق الإنسان بعد انسحاب الصدريين هي “محاولة لفرض هيمنة ثقافية”، وما يزيد الأمر كلفةً بالنسبة لعباس هو “عدم وجود قوى سياسية أو مؤسسات مجتمع مدني رصينة كي ترد على هذه الانتهاكات. حتى مفوضية حقوق الإنسان تابعة لهم”.
المحافظات.. منزوعة الصحافة والسياسة
بالنسبة للمحافظات، يتصرف بعض قيادات الشرطة والمحافظين مثل حكّام الجمهوريات المغلقة، إذ يتعرض نشطاء وصحافيون إلى انتهاكات خلف جدران مغلقة، لا تدري بها المدن الأخرى. الحكومة المركزية في بغداد تبدو “راضية” عن ما يحدث، برلمانيون لديهم علاقات وثيقة مع الحكومة المحلية، والمحافظ هناك قد يستعين حتى بأبناء عشيرته ضد منتقديه، وفق صحافي من البصرة رفض الكشف عن اسمه لأسباب تتعلّق بوظيفته وأمنه الشخصي. قال إن “محافظات الجنوب أصبحت بلا صحافة، لأن ما يتداول، هو ما يقبل المحافظ أن يقدمه للتداول”.
في تشرين الأول/أكتوبر من العام 2024، شهدت محافظة ذي قار حملة اعتقالات شديدة على متظاهري احتجاجات تشرين. قال النائب عن المحافظة آنذاك، داوود العيدان في تصريحات تلفزيونية إن “قائد الشرطة، نجاح العابدي، أخبرنا بأنه يعمل بتوجيه مباشر من السوداني” بخصوص الاعتقالات.
لغاية العام 2025، تعرّض (ع.س) إلى 6 اعتقالات في ذي قار. في مقابلة بمدينة بعيدة عن محافظته طلب عدم ذكر اسمه الصريح بسبب دعوى ما تزال سارية عليه، قال إن شهر شباط/نوفمبر كان قاسياً عليه، حيث “اعتُقلت على يد قوة مشتركة ضمّت الشرطة المحلية، والاستخبارات، والأمن الوطني، وأمن الحشد بسبب منشورات على مواقع التواصل انتقدت فيها واقع الناصرية والعراق بشكل عام”.
بالنسبة لـ(ع.س) كان صادماً أن يعرض أمام القضاء بموجب المادة 197 من قانون العقوبات العراقي، قال: “وُجّهت لي تهم العمالة لدول الجوار، والترويج لإسرائيل”. تعرّض (ع.س) خلال فترة الاحتجاز لأنواع من التعذيب. تم وضعه في زنزانة ضيّقة لا تتجاوز متراً بمتر، دون طعام أو شراب طوال 12 يوماً، وكانت جلسات التعذيب تبدأ بأساليب نفسية في الساعة الأولى، ثم تتحول إلى تعذيب جسدي، عبر الضرب باستخدام الخيزران، تليها مرحلة الصعق الكهربائي، وصولاً إلى تعليقه من الكتفين أو الساقين حتى يفقد الوعي، وينزف من أنفه وفمه، ثم يُعاد إنزاله، ليُعاد نفس السيناريو في اليوم التالي طيلة فترة سجنه.
في إحدى الليالي، تم وضع كيس على رأس (ع . س) وإغراقه داخل برميل ماء، وعندما كان بطلب التوقف أو يبدي استعداده للاعتراف بأي شيء، كانوا يصرحون بوضوح: “لم نأتِ بك من أجل الاعتراف، بل من أجل تأديبك والتوقف عن الكتابة”. قال إنهم “طالبوني بذكر أسماء أخواتي والتفصيل في أجسادهن”.
تبدو قصص القمع في جنوب العراق “انتقامية”. كانت محافظة ذي قار صاحبة الصراخ الأعلى خلال احتجاجات تشرين في العام 2019. أحرقت فيها مقرّات أحزاب وتغيّر العديد من المحافظين. كانت المدينة الغنية بالثروات النفطية والغاضبة من وجود أكثر من 131 ألف عاطل، يعيش الصحافيون والنشطاء فيها بترقب دائم لاتهامات واعتقالات لأجل أسباب لا تبدو مقنعة قانونياً.
في الأشهر الأولى من العام 2026، كان بضعة شباب من ذي قار، يريدون إقامة مهرجان للقراءة بعنوان “الناصرية تقرأ”، حيث يتلقون تبرعات من الكتب، لتوزيعها مجاناً على قرّاء المحافظة. كان الناشط أيمن عمار فليح، ينتظر وصول ألف كتاب لمتبرعين من بغداد. لم يكن يعلم أن الرغبة بمهرجان ثقافي ستتحول إلى كابوس مرعب عليه، ففي 12 شباط/فبراير تلقى اتصالاً من سائق توصيل يخبره أنه في سيطرة الناصرية. قال السائق إن “العناصر الأمنية حين فتشوا الكتب وجدوا كتاباً يحمل صورة رئيس النظام السابق، صدام حسين”. تم احتجاز السائق في مركز شرطة البطحاء. ذهب فليح لتوضيح الأمر للمركز. قال لهم إن الكتب هي تبرعات من مكتبات ودور نشر ومواطنين لم يتم فرزها بعد، وحين تفرز لعرضها في المهرجان، سيتمّ تلف الممنوع منها، لكن ذلك لم يشفع، وسيواجه فليح رحلة من التعذيب لم تنته إلى اللحظة.
تم اعتقال فليح من قبل استخبارات البطحاء ونقل إلى استخبارات الناصرية مباشرة وبعدها إلى مكافحة إرهاب الناصرية. حاول جاهداً أن يوضح الأمر، لكن منتسباً صرخ بوجهه بأنه “بعثي وسنحتفل معك الليلة”، في إشارة إلى حفلات التعذيب التي تقام في المراكز. قال فليح للعناصر إنه “منتظم فعلياً ضمن الحزب الشيوعي”، ردّ أحد العناصر بصفعة على وجه فليح مع وابل من الشتائم الثقيلة. واجه الناشط مصيراً أليماً في السجن الانفرادي. تعرّض للضرب في غرفة كان ممنوعاً عليه الجلوس فيها، وإلا ستنزل الصفعات على جسده مرة أخرى.
يجلس فليح بأحد مقاهي النجف، ويروي للمرصد العراقي لحقوق الإنسان ما حدث معه. رفعوه على طاولة حديدية وقيدوه من تحت الإبطين مع سلاسل بدأوا بربطها بإتقان، ثم أزالوا الطاولة ليبقى معلقاً. شرح فليح مراراً بأنه كان يريد إقامة مهرجان باسم “الناصرية تقرأ”، كما أن “الكتب تأتي عن طريق تبرعات وليس مسؤولاً عنها”. إنه “يمتلك موافقات رسمية”، كرّر عليهم بأنه “عضو في الحزب الشيوعي والتهمة غير منطقية في هذا الحال، لأن هناك تاريخ دموي طويل من الصراع بين الحزبين”، لكن الجواب كان باستخدام الكهرباء للاعتراف بأن فليح “يمتلك خلية بعثية”.
رفض فليّح أن يعطي الرمز السرّي لهاتفه، لكنهم فتحوه بـ”صعقات الكهرباء” أيضاً. بقي الناشط معلقاً إلى المساء. كان المحقق يمسك بيده اليسرى صاعق الكهرباء، وفي يده اليمنى حزمة اتهامات منها “خلية بعثية مرتبطة بأميركا”. ما زال فليح يحاول إقناع عناصر الأمن بأن هذه الكتب لمهرجان “الناصرية تقرأ”، لكن ضبّاط التحقيق أعادوا تعليقه ومن ثمّ أنزلوه ليسألوه: هل أنت ملحد؟ أجاب فليح بأن حزبه “الشيوعي” لا يشترط الإيمان من عدمه. قال له المحقق إذن أنت ملحد وبدأ يضربه وأمر عناصر أخرى بتعريته من ملابسه. فكرة المهرجان الثقافي جعلت فليح يواجه مصيره عارياً مكبلاً أمام محقق يسأله عن ميوله الجنسية وماذا يفضّل. قال له: لماذا لست متزوجاً إلى الآن.. هل تفضّل الرجال؟ هدّده بأن أغلب الذين لا يعترفون يقضون ليلتهم مع “جعفر الذي يفضّل الرجال في عمره ويقوم بتصويرهم”.
بقي فليح لمدة أسبوع يواجه صنوفاً مختلفة من الآلام الجسدية والنفسية. ضرب بقضيب حديدي لأكثر من 80 مرة حسب إحصائه. كانوا يبصقون على وجهه عند كل كلمة يقولها ولا تعجبهم. قال المحقق له إنكم أي ـ الحزب الشيوعي والبعثي ـ لا تختلفون. الاثنان يقولون رفيق وأفكاركم اشتراكية. سأله المحقق مرة أخرى عن رأيه في الأحزاب الإسلامية والحشد الشعبي، أجابه إلى أن تعب الناشط من التوضيح ليعرض بعدها على القاضي لمرتين ويخرج بكفالة، لكنّ الدعوة ما زالت سارية وينتظر وقت المحاكمة.
في الجنوب، هناك محاولات لما يشبه الانقضاض على أي احتجاجات يمكن أن تتكرر. يسميها أكاديميون بأنها “ثورة مضادة لتشرين”، لكن الأمر لا يختلف في المحافظات الأخرى التي لم تشهد أي حراك خلال احتجاجات تشرين، حيث يأخذ القمع “طابعاً أخلاقياً” تحاول السلطات فيها الارتكاز على أدبيات المحافظة العشائرية. في آب/أغسطس من العام 2025، كانت المنطقة تحبس أنفاسها على خلفية تداعيات 7 أكتوبر. قادت شرطة الأنبار حملة أمنية شديدة داخل الشوارع لاعتقال الشباب الذين يرتدون الشورتات القصيرة أو ما يعرف محلياً بـ”البرمودا”.
قال الناشط محمد العزاوي إن “إجراء شرطة محافظة الأنبار يخالف القوانين لأن اعتقال الشباب يجب أن يكون وفقاً لمادة قانونية، وبناءً على طلب من القاضي”. هناك تلاحق “الشورتات” دون أوامر قضائية، لكن الملاحقة ستكون أشد وطأة حين يقدم أحد النشطاء على انتقاد المحافظ أو رئيس حزب “تقدم”، محمد الحلبوسي. قال سامر الفلاحي إنها “قلعة مغلقة لحزب تقدم ومن يجرؤ أن يخالف، سيكسر دون مناصر”. قال أيضاً إن “هذه محافظات منزوعة السياسية بقرار لا نقاش فيه”. قال أيضاً إن “حلق الرؤوس أصبح مألوفاً لدى الشباب الذين يدخلون مراكز الشرطة هناك”.
على بعد حوالي 100 إلى 110 كيلومتر تقريباً، في العاصمة بغداد، يجد أصحاب بعض الأصوات أنفسهم بمواجهة مع القضاء لاتهامات “لا أساس لها أيضاً”. في 20 نيسان/أبريل 2026، قال الأكاديمي والمحلل السياسي، محمد نعناع على صفحته في “فيسبوك”، إنه “سيمثل أمام القضاء العراقي للدفاع عن نفسه إزاء تهمة الإساءة لثورة العشرين” التي حدثت في العراق قبل أكثر من 100 عام.
هل يمكن أن تكون “قدسية” للمناسبات التاريخية؟ وجه معد التحقيق سؤالاً إلى المحامي والناشط، محمد جمعة. قال إن “هذا غير ممكن قانونياً، كما أن نعناع ذكر حقائق تاريخية موجودة في بطون الكتب”، لكنّ إرادات داخل النظام تريد أن “تتحول المؤسسة القضائية من مظلة لحماية حرية الرأي والتعبير إلى سيف مسلط على وسائل النشر”، على حد تعبير، حامد السيّد.
منع “تشرين ثانية”
لا يقتصر تصاعد الانتهاكات في العراق على قرار يخص المخاوف والتوقعات بعد تصاعد النيران في المنطقة. بالنسبة لرئيس قسم الأبحاث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حيدر سعيد، فإنه يرجع ما يحدث إلى الكيفية التي أدارت بها السلطة البلاد والمجال العمومي فيه ما بعد (انتفاضة تشرين) من العام 2019.
ووفق مقابلة خاصة أجريت معه، يصف سعيد السنوات الأخيرة بأنها “الأسوأ والأكبر من ناحية انتهاكات السلطة لحق التعبير منذ العام 2003″، لكنه يرى أن “جذر ما يحدث، يرجع إلى ما بعد احتجاجات تشرين وطريقة إدارة منظومة السلطة للبلاد، والتي تركزت استراتيجيتها على منع حدوث (تشرين ثانية)، أو أي حركة احتجاجية واسعة”.
وتقوم هذه الاستراتيجية إلى جانب القمع، على تطوير الشبكات الزبائنية، التي تصادر خيارات المجتمع السياسية، من خلال ما تقدمه السلطة من خدمات، أو مشروع لـ”التنمية”، يكون بديلًا عن الحريات المدنية. من هنا، “تأتي المساعي الحثيثة لإغلاق المجال العمومي، ولذلك، شهدت السنوات الأخيرة الرقم القياسي في حالات القمع والدعاوى القضائية التي تخص الحق المحض في حرية التعبير، فضلًا عن الترهيب والتهديد ومساومة المواطنين على مصادر عيشهم”، وفق سعيد.
يعتقد سعيد أن أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 عمقت “اتجاه السلطة نحو إغلاق المجال العمومي وتقييد حرية التعبير أكثر فأكثر، متخذة من الاستقطاب الحاد الذي شهده المجتمع العراقي غطاء للمضي قدماً في هذا المجال، ولا سيما إن واحداً من ردود الفعل على أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر هو ما انجرف إليه طيف غير قليل من الصف المدني من تشكيك بقيم الليبرالية الغربية، وخلطها بممارسات الإبادة الجماعية التي مارستها إسرائيل”.
يأتي هذا التحقيق ضمن دراسة بحثية أُنجزت في إطار “زمالة الباحثين الشباب” بالشراكة مع جامعة جامعة روتجرز في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك ضمن مشروع “الدراسات النقدية في العراق”. وتهدف الدراسة إلى تسليط الضوء على التحديات المتفاقمة التي تواجه الحريات الصحافية والسياسية في العراق، في سياق يشير إلى ما يشبه الإغلاق المنظم للمجال العام منذ عام 2019، مع تصاعد إضافي بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
واعتمدت الدراسة على مقابلات ميدانية مع صحافيين ونشطاء وباحثين، إضافة إلى شهادات لضحايا تعرضوا لانتهاكات بسبب آرائهم أو نشاطهم العلني، بما يعكس طبيعة الضغوط المتزايدة على حرية التعبير في البلاد.
وأعدّ الدراسة الصحافي والكاتب أحمد الشيخ ماجد، وهو كاتب في الشأن السياسي العراقي منذ عام 2011، وله عشرات المقالات الرأي، إضافة إلى تحقيقات استقصائية وتقارير صحافية تناولت مختلف التحولات السياسية والأمنية في العراق. كما شغل ماجد مناصب تحريرية متعددة، بينها محرر ورئيس تحرير ومدير أخبار في عدد من المؤسسات الإعلامية العراقية والعربية والدولية.



