
علي حسين
كانت حرب الخليج عام 1991 أول حرب تُنقل بشكل مباشر، المشاهد يجلس أمام شاشة التلفاز ويشاهد القنابل تقصف بغداد، وطائرات التحالف تجول وتصول فوق سماء العراق. كانت أول حرب تدخل البيوت والمقاهي مباشرةً عندما قرر تيد تيرنر، مؤسس شبكة “CNN”، أن يُغيّر من مفهوم الأخبار؛ فبعد أن كانت النشرات تُبث في أوقات محددة، قرر أن يُشرك المشاهد معه، وأن يُغيّر طريقة استهلاك الناس للأخبار.
قبل أن أنشغل بمتابعة خبر رحيل مؤسس “CNN”، كنت أنوي الكتابة عن اختفاء نجم الإعلام العراقي إبراهيم الصميدعي “صانع رؤساء الوزراء”، فلم يظهر حتى هذه اللحظة ليخبرنا عن دوره في اختيار رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، ولم يصرخ في وجه أحد مقدمي البرامج وهو يقول: “إنه أحسن رئيس وزراء”. وإلى أن يطل علينا الصميدعي، اسمحوا لي أن أشغلكم بالحديث عن تيد تيرنر، الذي تقلب بعدد من الوظائف منذ أن عمل في شركة والده المتخصصة بالإعلانات وحتى لحظة تأسيسه لأكبر قناة تلفزيونية إخبارية، فقد ظل حلمه الذي لم يتحقق الوقوف أمام كاميرات هوليوود، فحققه بالزواج من أشهر نجمات السينما “جين فوندا”، ليعيشا قصة حب استمرت سنوات انتهت بالطلاق، لكن فوندا لم تنسَ هذا المغامر الجريء الذي وصفته بـ”صاحب العبقرية الجامحة”. وفي مذكراته التي وضع لها عنوان “نادني تيد”، يتحدث عن المعاناة التي عاشها بعد انفصاله عن جين فوندا، ويتذكر لحظة الانفصال عندما عاد إلى البيت ووجد أنها رحلت وأخذت أغراضها الخاصة معها، كتب قائلاً: “كانت خزائننا متقابلة، وعندما رأيت مساحتها الفارغة جلست على الأرض بينهما وبكيت”.
قدّم تيرنر للعالم الأحداث كما تجري على أرض الواقع، وكان لقناته تأثير كبير على سياسة العديد من الدول. قال للصحفيين إنه يفضل أن يُطلق عليه لقب “كيسنجر التلفزيون”، وبالتأكيد نحن عشنا في العراق مع نسخة محدثة من كيسنجر، أطلقها أشهر وزير خارجية عراقي اسمه إبراهيم الجعفري، مبتكر الطريقة “السنسكريتية” في الحديث مع القنوات التلفزيونية.
نتحدث عن تيد تيرنر ونتذكر جيداً أننا في هذه البلاد نعيش مع فضائيات تنقض علينا لتحوّل الإعلام إلى أداة تُستخدم لإشاعة الفوضى، من خلال فضائيات تريد أن تسطو على تفكير الناس وتتلاعب بمشاعرهم. برامج وحوارات وأخبار تتغذى على الشحن السياسي والطائفي، يظن أصحابها أن الإثارة تعني الضحك على عقول المشاهدين.
كلما أشاهد برامج “التوك شو” التي تبثها الفضائيات العراقية وتلفيقاتها، أتذكر كيف تسعى هذه الفضائيات إلى أن تضع المشاهد أمام صرخات ولوثات لضيوف يناصبون الشعب العداء لأنه يتآمر على رمز العملية السياسية، ولن يجد المشاهد نفسه إلا وهو ينظر إلى قفشات عباس البياتي أو دروس هاشم الكندي في “الوطنية”.



