النخيل نيوز
Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
آراءنيوز بار

حياة الأديب جزء من أدبه

زيد الحلي

قبل أيام، كنتُ ضيفاً على زميل قديم من الرعيل الأول في صحافتنا، بلغ من العمر اثنين وتسعين عاماً، ومع ذلك ظل محافظاً على ذاكرة متقدة، يعيش بسعادة وهناء، مبتسماً للحياة، قانعاً بما آتاه الله.
مكتبته غنية بكتب السِّير والتراجم، وبمئات المجلدات الصحفية التي تضم صحفاً ومجلات عراقية وعربية، وفي زوايا هذه المكتبة العامرة تستقر ألبومات لصور بالأبيض والأسود، تحكي سيرة إنسان عصامي أحب الصحافة، ومارسها بتفان وإخلاص وصدق.
وكما يحدث في كل زيارة، تمتد يدي، بعد استئذان مضيفنا الحبيب، إلى رفوف تلك المكتبة، فأسحب منها كتاباً أو مجلداً، وأتصفحه بشغف محبٍّ لتاريخ الصحافة والصحفيين. وهذه المرة، وقع بين يدي مجلد يضم أعداداً متفرقة من جريدة “أخبار اليوم” القاهرية. وبينما كنت أقلب صفحاته، استوقفتني مقالة للأديب الذي أحترمه وأقدر فكره، سلامة موسى، نشرتها الجريدة في عددها الصادر بتاريخ 7/11/1953، بعنوان: “حياة الأديب جزء من أدبه”.
استهل سلامة موسى مقالته بقوله: “إذا كان الأدب اختياراً للألفاظ وللمعاني، فهو صنعة فقط، أما إذا كان حياة يحياها الأديب، وكفاحاً لتحقيق الإنسانية والشرف، فهو عندئذ فن، وأعظم الفنون في العالم فنُّ الحياة، لذلك أجد أن حياة الأديب هي مؤلفه الأول في الأدب”.
ثم يستشهد بعميد الأدب العربي طه حسين نموذجاً، فيرى أن حياته أبلغ أثراً من كثير من مؤلفاته، لأنها تقدم دروساً في الإرادة والرجولة والفهم والشهامة. فهذا الرجل فقد البصر، لكنه استبدله بالبصيرة، وجعل من معاناته منارةً تهدي الشباب إلى أن الإرادة تستطيع أن تنتصر على المستحيل. وأنا أجدني أقف مع رؤية أديبنا سلامة موسى، بل أضيف إليها أن حياة الأديب تبقى ملتصقة بعطائه، فلا يمكن الفصل بين السلوك والإبداع. فالكلمة الصادقة تكتسب جزءاً كبيراً من قوتها حين يسندها صاحبها بسيرته ومواقفه، ويصبح الأديب شاهداً على ما يكتب، لا مجرد كاتب له. إن تأثير الأدب في المجتمع قد يبدو غير مباشر، لكنه تأثير عميق وبعيد المدى، لأنه يبدأ بتغيير الإنسان من الداخل، ثم ينعكس على سلوكه ومواقفه. أما حياة الأديب، فهي تمتلك قوة خفية في التأثير، إذ تمنح القارئ الثقة بالكلمة عندما يجدها متجسدة في صاحبها قبل أن يقرأها في كتبه. وما طرحه سلامة موسى قبل أكثر من سبعين عاماً، لا يزال صالحاً لزماننا هذا، بل ربما ازدادت الحاجة إليه، في زمن كثرت فيه الكلمات، وقلت فيه النماذج. فالأدب الحقيقي لا يصنعه جمال العبارة وحده، وإنما تصنعه أيضاً نزاهة صاحبها، واتساقه مع ما يدعو إليه. ولعل أعظم ما يتركه الأديب للأجيال ليس كتاباً يُقرأ، بل سيرةً تُحتذى؛ لأن الكتاب قد يُغلق بعد الفراغ منه، أما السيرة الصادقة فتظل مفتوحة في ذاكرة الناس، تلهمهم كلما بحثوا عن معنى الكلمة حين تتحول إلى موقف، وعن الأدب حين يصبح أسلوب حياة.
إن تأثير الأدب في المجتمع قد يبدو غير مباشر، لكنه تأثير عميق وبعيد المدى، لأنه يبدأ بتغيير الإنسان من الداخل، ثم ينعكس على سلوكه ومواقفه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *