الذكاء الاصطناعي والصحافة في العراق.. أداة مساعدة أم تهديد لهوية المهنة؟

في كل غرفة أخبار تقريبًا يتكرر السؤال ذاته: هل يسحب استخدام الذكاء الاصطناعي من الصحفي مهنيته، أم أن تجاهل هذه الأدوات هو ما يدفعه إلى هامش المهنة؟
الانقسام داخل المؤسسات الصحفية في العراق واضح. فهناك من يرى في الذكاء الاصطناعي خطرًا مباشرًا يُفرغ النص من روحه، ويحوّل المحتوى إلى منتج آلي متشابه، ويفتح الباب أمام “كتّاب جاهزين” بلا خبرة ميدانية أو معرفة بالمصادر. في المقابل، يتعامل صحفيون آخرون مع هذه الأدوات بوصفها مساعدًا تقنيًا يسرّع البحث، ويجمع الخلفيات والأرقام، ويقترح صيغًا لغوية، من دون أن ينتزع من الصحفي حق اختيار الزاوية أو تحمّل مسؤولية ما يُنشر.
المشهد يعيد إلى الأذهان التحول الذي رافق انتقال الصحافة من الورق إلى المنصات الرقمية، حين قاوم جزء من الجيل الأول المواقع الإلكترونية باعتبارها ظاهرة عابرة. لكن السنوات أثبتت أن الوسيط يتغير، فيما يبقى جوهر المهنة ثابتًا: مصدر موثوق، تحرير مهني، وحضور في الميدان.
اليوم يتجدد النقاش، لكن بعنصر أكثر تعقيدًا: الذكاء الاصطناعي. والسؤال لم يعد تقنيًا فقط، بل نقابيًا ومؤسسيًا: أين تقف نقابة الصحفيين العراقيين من هذا التحول؟
بين الاستخدام المهني والبديل الكسول
تجربة غرف الأخبار تكشف ثلاثة نماذج:
الأول، صحفي يعتمد كليًا على الأداة، يطلب منها كتابة النص من الصفر بلا تحقق أو مراجعة، فتتحقق المخاوف من “صحافة بلا روح”.
الثاني، صحفي يوظف الذكاء الاصطناعي ضمن صندوق أدواته: يجمع الخلفيات الإحصائية، يلخص نصوصًا طويلة، ثم يعيد صياغتها بخبرته ومصادره.
أما الثالث، فهو الأكثر إرباكًا: أشخاص يجيدون تشغيل الأدوات الرقمية ويقدمون أنفسهم بصفة “محررين”، من دون امتلاك الحد الأدنى من مهارات التحقق أو المسؤولية المهنية.
هنا لا تبدو المشكلة في الأداة بحد ذاتها، بل في فوضى التوصيفات وضعف معايير التوظيف داخل بعض المؤسسات. فالذكاء الاصطناعي لم يصنع الخلل، بل كشفه ووسّعه.
ومع ذلك، يلفت الانتباه أن بعض الأصوات الرافضة لا تعارض الأداة من منطلق مهني صرف، بل من تخوف تقني أو تمسك بنمط مألوف. في المقابل، تتقدم أجيال أصغر سنًا وأكثر مرونة في توظيف الأدوات الجديدة، معتبرة إياها امتدادًا لقدرتها لا بديلًا عنها.
الحاجة إلى قواعد واضحة لا إلى المنع
مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي عالميًا، لم يعد السؤال: هل يُستخدم؟ بل كيف يُستخدم.
وهنا يبرز دور المؤسسات في وضع قواعد مهنية واضحة، مثل:
منع اختلاق المصادر أو الاقتباسات.
إلزام الصحفي بالتحقق من الأرقام والمعلومات.
اشتراط مراجعة بشرية مسؤولة قبل النشر.
فالمعادلة بسيطة: الأداة قد تسرّع العمل، لكنها لا تعفي الصحفي من المسؤولية القانونية والأخلاقية.
النقابة بين النص القانوني والواقع
في قلب هذا المشهد تقف نقابة الصحفيين العراقيين، بوصفها الجهة المفترض أن تقود النقاش المهني. قانون النقابة يمنحها صلاحيات واسعة في حماية الصحفيين وتنظيم شؤون المهنة، لكن الواقع – بحسب كثيرين – يكشف فجوة بين النص والتطبيق.
الأستاذ المساعد الدكتور علي شمخي يرى أن انتخاب مجلس جديد رفع سقف التوقعات، غير أن تحقيقها يتطلب مراجعة جدية لمسار المجالس السابقة، وإعادة الاعتبار لكرامة الصحفي العراقي، وتعزيز الشفافية في إدارة الملفات الحساسة، مثل المنحة السنوية وآليات اتخاذ القرار.
وتتضاعف أهمية هذا الدور في ظل تحولات رقمية معقدة؛ إذ يصعب على نقابة لم تحسم بعد علاقتها بالتسييس أو التدخلات أن تقود نقاشًا حديثًا حول أدوات تحتاج إلى استقلالية ومعايير واضحة.
الجيوش الإلكترونية.. التحدي الأخطر
بعيدًا عن الجدل التقني، يبرز تحدٍ أكثر إلحاحًا: الجيوش الإلكترونية التي تستهدف الصحفيين بحملات تشويه منظمة.
هذه الحملات، المرتبطة أحيانًا بجهات سياسية أو اقتصادية، تعتمد على حسابات وهمية وصفحات مدفوعة لتسقيط الصحفيين وضرب مصداقيتهم. وغالبًا ما يجد الصحفي نفسه وحيدًا في مواجهة موجة منظمة من الإساءة والتخوين.
هنا يمكن للنقابة أن تلعب دورًا محوريًا عبر:
إنشاء مرصد لرصد الحملات الممنهجة.
توثيق الانتهاكات ورفعها للجهات المختصة.
توفير دعم قانوني وإعلامي للمتضررين.
إصدار مدونة سلوك رقمية تفرق بين النقد المشروع وخطاب الكراهية.
غياب هذا الدور يترك الساحة مفتوحة للفوضى، ويضاعف هشاشة البيئة المهنية.
بين الأمس والغد
الصحافة العراقية تقف اليوم عند مفترق طرق.
الجيل الذي انتقل من الآلة الطابعة إلى المنصات الرقمية يواجه موجة جديدة من التحول. لكن جوهر المهنة لم يتغير: صحفي يبحث، يتحقق، ويواجه السلطة بكلمة مسؤولة.
الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الصحفي في الميدان، لكنه قد يتحول إلى خطر إذا استُخدم في بيئة تفتقر إلى المحاسبة.
المطلوب اليوم ليس المنع، بل التنظيم.
ليس التخويف، بل وضع معايير.
وليس الانقسام، بل نقاش مهني تقوده مؤسسة نقابية قادرة على حماية كرامة الصحفي وحق المجتمع في معلومة مستقلة.
إلى أن يتحقق ذلك، سيبقى المشهد معلقًا بين جيل يخشى فقدان تاريخه، وجيل يسعى لكتابة تاريخه بأدوات جديدة، ونقابة مطالبة بأن تختار موقعها بوضوح: شريكًا في التحول، أم متفرجًا عليه.
المصدر: بغداد اليوم



