
معتز عباس
نجح مجلس النواب، أمس، في استكمال هيئته الرئاسية بانتخاب رئيس له ونائبين، غير أن هذا النجاح الإجرائي لم يخفِ حقيقة أكثر عمقًا وخطورة كشفتها الجلسة الأولى المنعقدة في 29 كانون الأول، وهي حجم التناقض الصارخ بين الخطاب الانتخابي وما آلت إليه الممارسات السياسية داخل قبة البرلمان.
فما إن انتهت صناديق الاقتراع، حتى سقطت الشعارات، وتبدّلت المواقع، وتحوّل العداء المعلن إلى مصافحة علنية، في مشهد عكس زيفًا واضحًا في الخطاب الإعلامي والسياسي الذي ساد الحملات الدعائية، عدو الأمس أصبح حليف اليوم، والخصم الذي مُلئت به المنصات والخطابات بات شريكًا في إدارة السلطة، دون أي محاولة لتبرير هذا التحوّل أمام جمهور صُوِّت له باسم المبادئ والثوابت.
الأخطر من ذلك، أن الخطاب الذي كان يُبنى على المظلومية وحقوق المكوّن، والمطالبة بالمحاسبة على دماء سالت في سبايكر وعمليات 2014، انقلب فجأة إلى لغة استعلاء واستهانة بالرأي العام، وصلت إلى عبارات “اضرب رأسك بالحايط إذا ما يعجبك”، وهو تحوّل لا يمكن فصله عن عقلية سياسية ترى في الناخب مجرد أداة عبور، لا شريكًا في القرار.
هذه الانتخابات، بغضّ النظر عمّن فاز أو خسر، كشفت أزمة أعمق من نتائجها الرقمية. فقد وضعت المجتمع أمام سؤال جوهري:
هل يُفترض أن نُقيّم المرشحين على أساس برامجهم وإنجازاتهم؟
أم على أساس انتماءاتهم الحزبية والطائفية؟
أم وفق ما يَعِدون به من مناصب وتعيينات وامتيازات؟
ولم تتوقف مظاهر الانحدار عند هذا الحد، إذ شهدت العملية الانتخابية تسخيفًا غير مسبوق عبر ترشيح شخصيات بلا أي تجربة سياسية، قادمة من عالم “الترند” ووسائل التواصل، في استخفاف واضح بوظيفة البرلمان ودوره الرقابي والتشريعي. والأكثر خطورة أن هذا التسطيح انسحب على أعلى هرم السلطة، حيث بات الحديث عن الترشح لرئاسة الوزراء أو رئاسة الجمهورية وكأنه إعلان عابر، لا يتطلب مشروع دولة ولا كفاءة ولا رؤية.
ما حدث في الجلسة الأولى لمجلس النواب لم يكن مجرد إعادة ترتيب للمناصب، بل كان لحظة كاشفة لانهيار الخطاب السياسي أمام أول اختبار حقيقي، فإما أن تعي القوى السياسية أن زمن خداع الجمهور بالشعارات قد انتهى، أو تستمر في إنتاج أزمة ثقة أعمق، لن يكون البرلمان بمنأى عن تبعاتها.



