
فلاح المشعل
إن حرية الإعلام، في ظل وجود مؤسسات إعلامية مستقلة وقوانين تجعل من الإعلامي شخصية فاعلة في المجتمع، وتجعل من الإعلام سلطة رابعة حقيقية كما هو الحال في العالم الحر، ما زالت أمنية ترافق الإعلاميين الأحرار في العراق.
نعرف أن التجربة الديمقراطية تقوم على قواعد راسخة، في مقدمتها الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، ووجود إعلام حر لا يرتبط بالدولة أو يخضع لإرادتها. نعم، يمكن أن يكون هناك إعلام رسمي للدولة، لكنه يجب أن يكون في خدمة الوطن والمواطن، وأن يقف على مسافة واحدة من الجميع، بعيداً عن هيمنة السلطات السياسية ومصالحها، فهذه هي الضمانة الوحيدة لاستمرار حريته وتأثيره، ودوره الرقابي والنقدي في كشف الأخطاء والفساد، وتقويم أداء مؤسسات الدولة.
لقد تحول الإعلام العراقي من دور الخدمة والطاعة للنظام السياسي في زمن الدكتاتورية، إلى دور الخادم المطيع للأحزاب المتسلطة والأجندات الخارجية بعد سقوط الديكتاتورية، بل استثمر َ كأي سلطة أو ساحة تتحكم بها الأموال المشبوهة، والمؤامرات التي لا تقيم وزناً لوطن أو إنسان أو لأي ضابط مهني وأخلاقي، في ظل واقع يفتقر إلى قانون رادع أو إطار قانوني ينظم هذه الفوضى العارمة.
يرتبط عيد الصحافة العراقية بصدور أول صحيفة عراقية، وهي “الزوراء”، عام 1869، واليوم أجد هذه المناسبة فرصة مؤلمة لاستذكار واقع صحفي وإعلامي يعاني هزيمة حقيقية وتغريباً واضحاً، يكشف حجم البؤس الذي تعيشه هذه القطاعات، بعيداً عن الخطب والكلمات الباهتة التي يرددها السياسيون في مثل هذه المناسبات، والتي تخلو من أي تقويم واقعي جاد لدور الإعلام في الحياة العراقية المأزومة.
لقد خسرنا الثروة والإنسان والخدمات والحقوق والأحلام، وخسرنا معركة بناء الحياة المدنية، لأننا خسرنا الإعلام الحر والصحافة الوطنية الشجاعة، إلا في استثناءات محدودة تستحق الاحترام والتقدير.
وحين خرج الإعلام من مهامه المخابراتية في عهد الدكتاتورية ومن دوره كخط إسناد خلفي للسلطة، لم يتجه نحو الحرية والمسؤولية، بل تحول في جانب كبير منه إلى أداة للطلاء التجميلي والتستر على الفساد، وأسهم في غدر صارخ بحقوق المواطن وحرياته. وقد نهضت بهذه الأدوار الشاذة شخصيات هزيلة وانتهازية من إعلاميي “الزيتوني” سابقاً، وكتّاب التقارير، والطبالين، والسماسرة، وتجار المال وغاسلي الأموال القذرة، فضلاً عن قبول عدد كبير من الإعلاميين بالاستئجار لخدمة الحكومات والتطبيل لها مقابل مكافآت شهرية، وهي سنة سيئة أرستها الحكومات العراقية المتعاقبة للتغطية على هزالها وفسادها.
أنحني بخشوع وإجلال لكل زملائي في مهنة المتاعب والمخاطر، الذين قدموا أرواحهم فداءً لشرف المهنة ووطنيتها واستقلالها، أولئك القديسون الذين رحلوا وهم يحملون في أهداب عيونهم حلم الوطن الحر، والمواطن الذي يتمتع بحقوقه الإنسانية الكاملة، بعيداً عن الخوف والاستغلال وسلطان الأحزاب المتغولة وميليشياتها.
إن الأمية السياسية للأحزاب الحاكمة، وما أنتجته من حكومات قائمة على المحاصصة والنهب المنظم الفاحش، تمثل الجذر الحقيقي للمشكلة التي وقعت في براثنها الصحافة العراقية وسائر وسائل البث والنشر. فهذه القوى لم تدرك أهمية الإعلام ودوره في بناء التجربة الديمقراطية والدولة المدنية الحديثة، فانتهى الأمر إلى عسكرة المجتمع، وهيمنة الدولة العميقة، وتفشي صفقات الفساد، وتبديد مستقبل البلاد، وسط صمت مخزٍ لما يُفترض أنه صحافة وإعلام.
إنها مناسبة لأن نواجه أخطاءنا بشجاعة وصراحة ومسؤولية، وأن نشير أيضاً إلى ذلك العدد القليل من المؤسسات الإعلامية والفضائيات الشجاعة التي ما زالت تمارس دورها النقدي والرقابي، وتتصدى للفساد ولانحرافات السلطة وضعفها.
تحية لكل قلم وطني شجاع لم يتلوث بهذه المفسدة التي تغرق الوطن بروائح الانهيار والتساقط المتسارع. فالعراق اليوم يقف في مهب الريح، ويحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى صحافة حرة وجريئة ومسؤولة، وكما قال المتنبي العظيم: الرأي قبل شجاعة الشجعان!



