النخيل نيوز
Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
آراءنيوز بار

خطاب الكراهية..حين تصبح مواقع التواصل أخطر من السياسة

علي الحياني

يثير الاستغراب حجم الطفرة الكبيرة التي يشهدها خطاب الكراهية في مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة، فالمتابع لمنصات فيسبوك وإكس وتيك توك يعتقد للوهلة الأولى أن العراق والمنطقة يقفان على حافة صراع سياسي أو قومي أو طائفي خطير، بينما الواقع السياسي على الأرض يبدو مختلفا تماما وأكثر هدوءا واستقرارا.

ففي الوقت الذي يعيش فيه الوسط السياسي العراقي حالة من التهدئة والتفاهم غير المسبوق بين بغداد وأربيل، وبين القوى السنية والشيعية والكردية، نجد أن الفضاء الإلكتروني يغلي بالتحريض والعنصرية والتكفير والشتائم المتبادلة، وكأن هناك من يحاول صناعة أزمة افتراضية موازية للواقع الحقيقي.

الأجواء السياسية التي رافقت تشكيل الحكومة العراقية الجديدة حملت الكثير من الرسائل الإيجابية، سواء من خلال لغة الحوار التي سادت بين الأطراف المختلفة أو عبر الزيارات المتبادلة والمتكررة بين المسؤولين في بغداد وإقليم كردستان، فضلا عن الترحيب الواضح الذي حظي به القادة الكرد في العاصمة العراقية، وهي رسائل كان يفترض أن تنعكس على الشارع ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لا أن يقابلها هذا الكم الكبير من الكراهية والانفعال.

كما أن استمرار الحكومة العراقية بصرف رواتب موظفي إقليم كردستان شهرا بعد شهر رغم كل التعقيدات السياسية والاقتصادية، يمثل مؤشرا مهما على وجود إرادة حقيقية للحفاظ على الاستقرار والتعايش، لأن قضية الرواتب لطالما كانت من أكثر الملفات حساسية وتأثيرا على العلاقة بين الطرفين.

وفي جانب آخر فإن إقليم كردستان يشهد نشاطا سياحيا متزايدا خاصة مع توافد عشرات الآلاف من السياح من محافظات الوسط والجنوب خلال العطل والمناسبات، فضلا عن انفتاح وجهات جديدة أمام السائح العراقي نتيجة التسهيلات الكبيرة التي تقدمها بعض الدول كإيران ولبنان وغيرها، عبر تخفيف إجراءات السفر وإلغاء التأشيرات أحيانا.

هذا الواقع الاقتصادي والسياحي يجعل من التعايش والتسامح ضرورة وطنية وليست مجرد شعارات سياسية، المؤسسات الرسمية ويرفع في جميع اللقاءات الرسمية وخلف القيادات الكردية نفسها.

أما ما يتعلق بقضية الأعلام والرموز فهي من القضايا التي تحتاج إلى الكثير من الحكمة والوعي بعيدا عن الانفعال والمزايدات، فعلم إقليم كردستان ليس جسما غريبا أو طارئا بل هو علم معترف به ضمن الدستور العراقي، ويمثل رمزا لشعب عانى عقودا طويلة من المآسي والاضطهاد والحروب، وفي المقابل فإن العلم العراقي يبقى العلم الرسمي للدولة العراقية وهو حاضر في المؤسسات الرسمية ويرفع في جميع اللقاءات الرسمية وخلف القيادات الكردية نفسها، ويجب احترامه أيضاً.

لذلك فإن تحويل موضوع الأعلام إلى معركة إلكترونية يومية لا يخدم أحدا بل يفتح الباب أمام الأصوات المتطرفة التي تعيش على تأجيج المشاعر وصناعة الانقسامات
المشكلة الحقيقية، وأن جزءا كبيرا من هذا الخطاب لا يصدر بالضرورة من الشارع الحقيقي بل من حسابات وصفحات ومنصات إعلامية وجيوش إلكترونية تستفيد ماديا وسياسيا من نشر الكراهية، لأن خوارزميات مواقع التواصل تكافئ المحتوى الصادم والمثير للغضب، وكلما ارتفعت حدة الشتائم والتحريض زادت المشاهدات والتفاعل والإعلانات والأرباح.

بعض القنوات والمنصات اكتشفت أن إثارة النعرات القومية والطائفية أسرع طريق للوصول والانتشار، حتى لو كان الثمن تمزيق النسيج الاجتماعي وضرب حالة التعايش التي يحاول العراقيون ترميمها منذ سنوات طويلة.

والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يبقى حبيس الإنترنت دائما بل يتحول تدريجيا إلى ثقافة عامة تؤثر على الأجيال الجديدة، خاصة فئة الشباب والمراهقين الذين يقضون ساعات طويلة في متابعة المحتوى الرقمي، ما يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بخطابات التحريض والتكفير والتنمر القومي والطائفي.

ومن هنا تبرز الحاجة الحقيقية إلى دور حكومي وتنظيمي أكثر جدية من الجهات المسؤولة عن قطاعي الإعلام والاتصالات في بغداد أو أربيل، عبر تشكيل لجان مشتركة لمتابعة المحتوى المحرض على الكراهية والعنف والتنسيق مع إدارات المنصات الكبرى لحظر الصفحات والحسابات التي تبث العنصرية والطائفية بشكل ممنهج.

كما أن المسؤولية لا تقع على الحكومات وحدها بل تشمل أيضا المؤسسات الإعلامية والصحفيين والمثقفين والمؤثرين وصناع المحتوى، لأن الكلمة أصبحت اليوم سلاحا خطيرا قادرا على صناعة السلام أو إشعال الفتن.

العراقيون في الشارع أكثر وعيا وتسامحا مما يظهر على مواقع التواصل الاجتماعي، فالمواطن البسيط الذي يزور أربيل أو السليمانية أو دهوك أو القادم من الإقليم إلى بغداد والبصرة والنجف يدرك أن العلاقات الإنسانية الطبيعية أقوى بكثير من كل حملات التحريض الإلكترونية.

ولهذا يجب ألا نسمح للفضاء الرقمي بأن يختطف صورة المجتمع الحقيقية أو أن يحول الخلافات السياسية الطبيعية إلى حالة عداء دائم بين الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *