
مصطفى سعدون
في البدء، نتفق جميعاً أن رويترز هي رويترز؛ صوابها ليس خبراً، لكن خطأها قِصة كبيرة.
نشرت الوكالة التي تأسست قبل 175 عاماً (نعم، قرنان إلا ربع قرن) خبراً عن تكليف الإطار التنسيقي لـ “باسم البدري” بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة. ولأن الوكالة واحدة من أهم مصادر المعلومات في العالم، اعتمدتها مؤسسات إعلامية كبيرة ونشرت الخبر.
ليس هذا فحسب، بل إن أفراداً عديدين نشروه أيضاً وكأنه من المُسَلَّمات.
عندما نشرت الوكالة العريقة الخبر، كان اجتماع الإطار التنسيقي مستمراً ولم يُعلن أي شيء، لكن الناس قالت: “هذه رويترز، ومعلوماتها حقيقة”.
دقائق قليلة حتى تحولت الوكالة التي تنشر مئات الأخبار يومياً إلى “خبر”.
تخيل أنك مصدر الأخبار والمعلومات، ثم تتحول في لحظات بسيطة إلى مادة خبرية!
لم تكن الوكالة موفقة عندما فضّلت السُرعة على الدقة في خبر التكليف، وذهبت باتجاه سباقٍ لم تكن بحاجة إليه. لو أن عشرات الفضائيات والوكالات المحلية والدولية نشرت الخبر قبل رويترز، ثم جاءت هي بعد دقائق لنشره، لاعتُمِدت هي المصدر الأساسي؛ وهذا يحدث في مرات عديدة وربما بشكل يومي، لكنها “العَجَلة”.
لم يُرد الصحافي الذي أرسل الخبر لوكالته أن يورّط نفسه، ولم يكن يرغب في الوقوع بمثل هذا الموقف، لكنه حدث. فأين الخطأ الذي وقعت فيه الوكالة؟
الخطأ الجسيم كان في اعتمادها على قناة في “تيليغرام” تحمل اسم “الإطار التنسيقي”؛ هذه القناة نشرت الخبر، فصار يقيناً بالنسبة للوكالة الدولية.
قبل أيام، وفي حادثة اختطاف الصحافية “شيلي كيتلسون”، كاد أحد المصادر الأمنية يورط بعض الصحافيين لولا تمهلهم في التعامل مع المعلومة. فبعد دقائق من اختطاف كيتلسون، أبلغ المصدر صحافيين بأنه “تم تحريرها”، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك.
الصحافيون البارزون الذين وصلهم الخبر لم يتعاملوا معه حتى قاطعوا المعلومة مع مصادر أخرى، ليكتشفوا الحقيقة: الصحافية الأميركية كانت قد وصلت مشارف محافظة بابل (مختطفة).
في مرة ما، وخلال اجتماعات التحالف الوطني التي كانت تُعقد في منزل رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري في المنطقة الخضراء، كُنت من ضمن مجموعة صحافيين هناك لتغطيتها.
كانت اجتماعات تشبه اجتماعات الإطار التنسيقي من حيث الشكل، وحتى المضمون على ما أعتقد. حصلت حينها على تصريح من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وكنت أحمل جهاز تسجيل بسيطاً؛ إذ لم يكن استخدام الهواتف الذكية متاحاً حينها -أو ربما لم يتوفر لدي حينها.
كان المالكي مستعجلاً، فتجرأت وسرت معه رغم مضايقات حرسه، وسألته عن الخلافات مع رئيس مجلس النواب الأسبق أسامة النجيفي وهل هناك فرصة للتصالح. عندما أجابني، سمعت الإجابة بمعنى مغاير، فاتصلت بالوكالة فوراً لنشر الخبر، وفعلاً بدأ الزملاء بالعمل على نشره.
وبينما كانوا يعملون على ذلك، قلت لنفسي، لماذا لا أستمع للتسجيل للتحقق منه، وبالفعل، عندما استمعت إليه وجدت أن المالكي كان يرحب بالصلح، بينما أبلغتُ أنا الوكالة أن “المالكي يقول: لا صلح مع النجيفي.
اتصلت فوراً وصححت الأمر قبل النشر. كنت في وكالة الأنباء الوطنية (نينا) حينها، وكانت تشترك في خدمتها عشرات المؤسسات المحلية والدولية وتنقل عنا.
في الصحافة، الأخطاء واردة، لكن يمكن تفاديها بعدم التسرع وبالتحقق أيضاً؛ لذلك أنشأت مؤسسات عديدة حول العالم غرفاً للتحقق من المعلومات قبل النشر وليس بعده.
تدربتُ لأكثر من مرة على يد صحافيين في مؤسسة “طومسون رويترز”، وكان أقل تدريب لا يقل عن ثلاثة أيام بالإضافة إلى السفر والحضور والتركيز والمحاضرات الكثيرة. كل ذلك من أجل أن تعطينا هذه المؤسسة المهمة دروساً في الصحافة. وفعلاً اكتسبنا منها ما ينفع.
لكنها بالأمس، أعطتنا أهم الدروس وأقصرها: الدقة أهم من السُرعة.



