النخيل نيوز
آراءنيوز بار

يواش يواش

معتز عباس

ليس كل ما يعرض على الشاشات يعد إعلامًا، وليس كل برنامج حواري يؤدي وظيفة معرفية أو رقابية، في المشهد الإعلامي العراقي، برز خلال السنوات الماضية نمط خطير من الخطاب، يتخفّى خلف شعارات الجرأة وكشف الحقيقة، بينما يقوم فعليًا بإعادة إنتاج لغة طائفية كانت سببًا مباشرًا في واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ البلاد الحديث.
الخطاب الذي يُقدم اليوم في بعض البرامج لا ينطلق من تحليل سياسي، ولا يستند إلى معطيات موثقة، بل يعتمد على الاستفزاز المقصود، والصوت العالي، والاستهداف الانتقائي لمكوّن اجتماعي بعينه، إنه خطاب يعرف جيدًا ماذا يفعل، ويعرف أثر كلماته، لكنه يختار عمدًا أن يستثمر في الانقسام لأنه الطريق الأسهل لجذب المشاهدات وتحقيق الرضا المؤسسي.
منذ عام 2007 وحتى ما بعد 2019، دفع العراقيون ثمنًا باهظًا نتيجة هذا النوع من الخطاب، سواء صدر من منابر دينية أو سياسية أو إعلامية. ومع ذلك، يبدو أن بعض مقدمي البرامج لم يتعلموا شيئًا من تلك التجربة، بل يصرّون على إعادة تدوير اللغة ذاتها، مع تغيير الشكل لا المضمون. ضيوف متشابهون، نبرة واحدة، اتهامات عامة، وحوار لا يتجاوز كونه تبادل صراخ تحت إدارة منحازة.
المشكلة هنا لا تكمن في اختلاف الرأي أو النقد السياسي، فذلك حق مشروع، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها هذا النقد. حين يُبنى الطرح على التعميم، وحين تُختزل أزمة دولة كاملة في فئة واحدة، وحين يُقدَّم الاستهداف على أنه تحليل، فإننا لا نكون أمام إعلام، بل أمام ممارسة تحريضية مغلّفة بلغة برامجية.
الأكثر خطورة أن هذا النمط يُفرغ البرنامج الحواري من أي قيمة معرفية. ما المعلومة التي تُقدَّم للمشاهد؟ ما الإضافة التي تبرر ساعة بث كاملة سوى إعادة إنتاج الانفعال ذاته في كل حلقة؟ إن الاكتفاء بإدارة الصراخ، وترديد عبارات توافقية سطحية، لا يصنع وعيًا، بل يكرّس الجهل السياسي ويُبقي الجمهور رهينة الاستقطاب.
الإعلامي ليس موظف قراءة نص، ولا مجرّد واجهة لمؤسسة. هو فاعل في المجال العام، ومسؤول عن الأثر الذي يتركه خطابه. التذرّع بالسياسة التحريرية أو التمويل لا يعفي من المسؤولية الأخلاقية، ولا يبرّر المشاركة في تسويق خطاب أثبت الواقع أنه يقتل قبل أن يقنع، ويقسم قبل أن يشرح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *